|
بسم الله الرّحمن الرّحيم
تحية المسجد أثناء الخطبة
السؤال:
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
لاحظت يوم الجمعة أنه إذا دخل أحد للمسجد وصلى تحية المسجد ينهاه بعض
الناس عن ذلك. وفي مرة قطع الإمام خطبته وأخذ يكلم الناس: يا إخوان،
تحية المسجد والإمام يخطب حرام. وبعد الخطبة ذهب أخ للإمام وسأله لماذا
قال ذلك ويريد أن يناقشه فرد الإمام: نحن في تونس مالكية، وانصرف دون
أن يسمع كلام الأخ. نرجو منكم أن تفيدونا في هذا وبارك الله فيكم.
الجواب:
الكاتب: ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
كنا نود لو شرح لنا السائل الكريم واقعة الحال هذه بكيفية مفصلة حتى
تكتمل الصورة ونستوعب الموقف بدقة. على كل حال، فنظرا لأهمية المسألة،
سنحاول في هذا المقام الإلمام بمختلف القضايا التي أثارها السؤال.
فنقول وبالله التوفيق:
1.
اختلف العلماء في تحية المسجد أثناء الخطبة:
·
رأي الشافعية: قال النووي (في المجموع، ج4ص427-428): "قال أصحابنا: إذا
جلس الإمام على المنبر امتنع ابتداء النافلة، ونقلوا الإجماع فيه. وقال
صاحب الحاوي: إذا جلس الإمام على المنبر حرم على من في المسجد أن يبتدئ
صلاة النافلة، وإن كان في صلاة جلس، وهذا إجماع... وأما إذا دخل داخل
والإمام جالس على المنبر أو في أثناء الخطبة فيستحب له أن يصلي تحية
المسجد ركعتين ويخففهما ويكره تركهما للحديث الصحيح: إذا دخل أحدكم
المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين...".
·
رأي الحنابلة: قال شمس الدين ابن قدامة المقدسي (في الشرح الكبير مع
الإنصاف، ج5 ص298-300): "(ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع
ركعتين، يوجز فيهما)... فإن جلس قبل أن يركع استحبّ له أن يقوم
فيركع... وينقطع التطوّع بجلوس الإمام على المنبر، فلا يصلي أحد غير
الداخل، يصلي تحية المسجد...".
·
رأي الأحناف: قال ابن مودود الموصلي (في الاختيار لتعليل المختار،
ج1ص84): "وتكره الصلاة والإمام يخطب". وقال الكاساني (في بدائع
الصنائع، ج1ص263): "وأما محظورات الخطبة فمنها أنه يكره الكلام حالة
الخطبة وكذا قراءة القرآن وكذا الصلاة...".
·
رأي المالكية: قال خليل: "وحرم... وابتداء صلاة بخروجه وإن لداخل". قال
صالح عبد السميع الأبي (في جواهر الإكليل، ج1ص105): "(وابتداء صلاة)
نافلة فتحرم (بـ)مجرد (خروجه) أي الإمام للخطبة على جالس في المسجد قبل
خروجه ويقطع سواء أحرم بهما عامدا أو جاهلا أو ناسيا عقد ركعة أو لا بل
(وإن لداخل) المسجد حال خروج الإمام للخطبة أو بعده... وقيل يجوز النفل
للداخل كمذهب الشافعي رضي الله عنه...". وقال القاضي عبد الوهاب (في
الإشراف، ج1 ص328): "إذا دخل والإمام يخطب جلس ولم يركع تحية المسجد،
خلافا للشافعي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا قلت لصاحبك يوم
الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت...".
وقد لخّص ابن رشد الحفيد أصل الخلاف في المسألة فقال (في بداية
المجتهد، ج1 ص132): "اختلفوا فيمن جاء يوم الجمعة والإمام على المنبر:
هل يركع أم لا ؟ فذهب بعضهم إلى أنه لا يركع وهو مذهب مالك، وذهب بعضهم
إلى أنه يركع. والسبب في اختلافهم معارضة القياس لعموم الأثر؛ وذلك أن
عموم قوله عليه الصلاة والسلام "إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين"
يوجب أن يركع الداخل في المسجد يوم الجمعة وإن كان الإمام يخطب، والأمر
بالإنصات إلى الخطيب يوجب دليله أن لا يشتغل بشيء مما يشغل عن الإنصات
وإن كان عبادة. ويؤيد عموم هذا الأثر ما ثبت من قوله عليه الصلاة
والسلام "إذا جاء أحدكم المسجد والإمام يخطب فليركع ركعتين خفيفتين"
خرجه مسلم في بعض رواياته، وأكثر رواياته "أن النبي عليه الصلاة
والسلام أمر الرجل الداخل أن يركع" ولم يقل إذا جاء أحدكم، الحديث.
فيتطرّق إلى هذا الخلاف في: هل تقبل زيادة الراوي الواحد إذا خالفه
أصحابه عن الشيخ الأول الذي اجتمعوا عليه في الرواية عنه أم لا؟ فإن
صحت الزيادة وجب العمل بها فإنها نص في موضع الخلاف والنص لا يجب أن
يعارض بالقياس، لكن يشبه أن يكون الذي راعاه مالك في هذا هو العمل.
هذا رأي المذاهب في المسألة، وأما قولنا فيها فليس بمهم؛ لأنه لا يرفع
الخلاف.
2.
تبيّن معنا مما سبق، أنّ المسألة محلّ خلاف بين أهل العلم، ولكلّ منهم
دليله الذي يعتمد عليه في فهم الحكم الشرعي. وإذا كانت المسألة محلّ
خلاف، فالأصل أن يعمل فيها كلّ واحد بما غلب على ظنّه أنّه الراجح
والصواب، مع التماس العذر لمخالفه. وأمّا التعصّب للمذهب بإلغاء الرأي
المخالف فلا يجوز. قال الشيخ الطاهر ابن عاشور رحمه الله مبينا الأسباب
التي أدت إلى تأخر الفقه (في أليس الصبح بقريب، ص175-176): "الأول:
التعصّب للمذاهب والعكوف على كلام إمام المذهب واستنباط الحكم منه
بالالتزام أو نحوه... وفي قواعد المقرّي: قاعدة لا يجوز التعصّب
للمذاهب...".
3.
قول الإمام: "يا إخوان، تحية المسجد والإمام يخطب حرام". هذا القول،
إنما قاله الإمام لتلهيب الجهلة، ولتهييج التعصب وإذكاء ناره. عن جابر
قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان قد يئس أن يعبده
المصلون، ولكن في التحريش بينهم" (رواه الترمذي). والأصل، أن يبيّن
الإمام اختلاف العلماء في هذه المسألة، وأنّ من صلى تحية المسجد فقد
عمل برأي شرعي معتبر فلا إنكار عليه. نعم، للإمام أن ينتصر لقول مالك
رضي الله عنه، ولكن عليه أن يبيّن أقوال العلماء وأدلتهم ثمّ يبيّن رأي
مذهبه ويبرز أدلته. وللعلم، فإنّ قول مالك في المسألة قويّ يدلّ على
عمق علمه وفقهه، ولكن من الناس من أفسد علم مالك بجهله. ولا حول ولا
قوة إلا بالله.
هذا أمر، والأمر الآخر أنّ على الإمام في مثل هذه الحالة أن يراعي ما
يلي:
- قد يريد بعض الناس قضاء الصبح، ويخجل من ذكر ذلك، فهل نلزمه بالتصريح
به. قال الحطاب الرعيني (في مواهب الجليل، ج2 ص551-552): "وأما إذا ذكر المستمع للخطبة
منسية، فقال ابن ناجي قال عبد الحميد في استلحاقه قال أصحابنا: يقوم
فيصلي وهو صحيح لأن الصلاة التي ذكرها فرض، وظاهره أنه يصليها بالمسجد
ولا يخرج وهو أخف من خروجه في بعض الحالات انتهى. وقال البرزلي في أول
مسألة من مسائل الصلاة: إذا ذكر صلاة الصبح والإمام يخطب فليصلها
بموضعه ويقول لمن يليه: أصلي الصبح إن كان ممن يقتدي به وإلا فليس عليه
ذلك... في نوازل ابن الحاج: إذا ذكر الصبح والإمام يخطب فليقم وليصلها
بموضعه ويقول لمن يليه: أنا أصلي الصبح إن كان ممن يقتدي به وإلا فليس
عليه ذلك...".
فيخشى بعد هذه الفتنة أن يخجل الناس من صلاة فرضهم.
- من علماء المذهب المالكي من يقول بجواز صلاة تحية المسجد لداخل
والإمام يخطب. قال خليل في التوضيح (نسخة رسالة دكتوراه، جامعة أم
القرى، ج1 ص455-456): "لا يبتدئ الداخل التحية بعد خروج الإمام على
الأصح... ومقابل الأصح للسّيوري
[القيرواني]
أن الركوع أولى، وهو مذهب الشافعي لحديث سليك الغطفاني...". وقال
الدسوقي (في حاشيته، ج1 ص388): "قوله:
(وإن لداخل) أي بل وإن كان ذلك الذي ابتدأ صلاة النافلة في حال خروج
الخطيب داخل المسجد، ولو قال: ولو لداخل كان أولى لأن السيوري جوزه
للداخل حال خروج الإمام للخطبة وهو من أهل المذهب...". وكما ترى فقد
أخذ علماء المذهب بعين الاعتبار قول السيوري وهو من أهل المذهب، فكان
على الإمام أن يقتدي بهم وأن يراعي الخلاف في المسألة، فلا يشهّر بقول
المخالف مع وجود المخالف داخل المذهب المالكي ذاته.
4.
قول الإمام: "نحن في تونس مالكية". هذا القول يدلّ على جهل وتعصّب. ذلك
أن تونس فيها المالكية وهم أغلبية، وفيها الأحناف والإباضية وهم أقلية،
وإذا جاز وجود هؤلاء أفلا يجوز وجود غيرهم كالحنابلة والشافعية وهم من
أهل السنة؟ بل إن تونس تفتح أبوابها للعلماني والملحد، فهل تغلقه في
وجه الحنبلي والشافعي المسلم؟ هذا والله أعلم.
نسأل الله تعالى أن يرينا الحقّ حقّا فنتبعه والباطل باطلا فنجتنبه.
10 ذو القعدة 1430هـ |