ترجيح الخبر على الأمر والنهي

 

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أسأل الله تعالى أن يبارك لكم في عملكم وأن يجزيكم عنا خير الجزاء لما تقومون به من دفاع عن الدين ونشر للمعارف الإسلامية بأسلوب علمي رزين ومنهج مستقيم.

أرجو منكم تفسير قول الأصوليين في بحث التعادل والتراجيح: يرجّح الخبر على الأمر والنهي. ما معنى الخبر هنا؟ وكيف تفهم القاعدة. وجزاكم الله خيرا.      

       

 

الجواب:

الكاتب: ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

 

بداءة علينا أن نقدّم للجواب بما يلي:

الكلام ينقسم إلى قسمين: خبر وإنشاء.

الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته. والإنشاء ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته. وينقسم الإنشاء بدوره إلى قسمين: طلبي (كالأمر والنهي) وغير طلبي (كالتمني). ولنوضح الفكرة، سأعتمد فقط القسم الطلبي لأنه يتعلق بمسألتنا.

إذن الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته؛ لأنه إخبار عن شيء أو حكاية عن شيء. كأن نقول: العلم نافع، فهذا المعنى قد يكون صدقا أي العلم نافع حقيقة، وقد يكون كذبا أي العلم غير نافع.

ومثال ذلك: في القرآن: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، فهذا خبر، أي أخبرنا الله بشيء، وهو صدق بلا شك.

وفي السنة: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، فهذا خبر، أي أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، وهو صدق بلا شك.  

وأما الطلب (الإنشاء) فهو ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته؛ لأنه ليس خبرا، فهو أمر ونهي. إذا قلت مثلا: لا تأكل الخبز، فهذا لا علاقة له بالكذب والصدق؛ لأني طلبت أن لا تأكل الخبز.

ومثال ذلك في القرآن: {وأقيموا الصلاة}، فهذا طلب أي أمر. وفي السنة: "لا يبع أحدكم على بيع أخيه"، فهذا طلب أي نهي.

وبالنسبة لما وصلنا عن النبي صلى الله عليه وسلم، يطلق عليه مصطلح "الحديث" ومصطلح "الخبر". لماذا يطلق عليه مصطلح "الخبر"؛ لأن الرواة أخبرونا بأن النبي قال كذا أو فعل كذا. فهو يحتمل الصدق والكذب بناء على حال الرواة هل هم ثقة حفاظ أم لا. 

والحاصل: عندنا مصطلح الخبر، وهو يعني أحيانا الحديث أي قول النبي وفعله، ويعني أحيانا أخرى القسم من الكلام أي بخلاف الطلب (الإنشاء).

وبالنسبة لقول علماء الأصول: يرجّح الخبر على الأمر والنهي:

لفظ الخبر هنا ليس بمعنى الحديث إنما بمعنى خلاف الطلب (الإنشاء) أي يكون متن الحديث متعلقا بخبر (حكاية عن شيء) وليس بطلب (أمر ونهي).

ومثال ذلك: ورد في حديث عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء". ففيه طلب (إنشاء) أي نهي عن تزويج النساء من غير الأكفاء. وهذا النهي يعارض الخبر، وهو قوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى".

هنا نقدّم الخبر على النهي؛ لأنه أقوى. فالخبر دلالته ثابتة؛ لأنه إخبار عن شيء ولا يحتمل النسخ أي لا يقال اليوم الناس عند الله سواء، ويقال في الغد لا ليسوا سواء، فهذا غير متصور، وأما الطلب فهو يحتمل أن يكون للتحريم أو الكراهية أو غير ذلك، ويحتمل أن يكون منسوخا. علاوة على هذا، فإن العمل بالطلب (الأمر والنهي) يقتضي تكذيب الخبر؛ وهذا أعظم من فوات مقصود الطلب الذي هو التحريم أو الوجوب أي تكذيب قول الشارع أعظم من عدم العمل به. لذا، إذا تعارض الخبر مع الأمر والنهي ولم يتأت العمل بهما، رجّحنا الخبر على الأمر والنهي. والله أعلم.  

 

20 جمادى الأولى 1431هـ