مسألة ختان النساء

 

الكاتب: ياسين بن علي

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

 

أرسل أخ يحثني على الكتابة حول ختان النساء، وأرسل أخ آخر يسأل عن الحكم الشرعي في المسألة. وأحسب أنّ هذه الأسئلة مرتبطة بالأحداث الجارية في تونس حيث أصبحت مسألة ختان الإناث قضية عامة تشغل الرأي العام؛  لذلك قرّرت بعد تردّد، تناول هذه المسألة وبيان وجه الحقّ فيها معتمدا أسلوب السؤال والجواب.  

 

السؤال الأوّل:

هل ورد ختان النساء في نصوص الشرع؟  

الجواب:

نعم، ورد ختان النساء أو الخفاض في نصوص الشرع. وإليك بعض الأحاديث التي استدلّ بها العلماء، نذكرها بغض النظر عن صحتها أو ضعفها:

روى البخاري ومسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "الفطرة خمس : الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط". وهذا عند الفقهاء عام في الذكور والإناث.

وروى أبو داود: عن عبد الملك بن عمير عن أم عطية الأنصارية، أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة، وأحب إلى البعل".

وروى البيهقي في الشعب: عن نافع عن ابن عمر قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على نسوة من الأنصار، فقال: " يا نساء الأنصار، اختضبن عمسا، واختفضن ولا تنهكن، فإنه أحظى لإناثكن عند أزواجهن، وإياكن وكفر المنعمين".

وروى مسلم: عن عائشة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل". وهذا يدل على أنّ المسلمين يختتنون رجالا ونساء.

وروى أحمد في المسند عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء".

 

السؤال الثاني:

ما هو حكم ختان النساء في المذهب المالكي؟ وما هو رأي علماء تونس فيه؟  

الجواب:

قال الإمام ابن أبي زيد القيرواني في الرسالة: "والختان للرجال سنّة، والخفاض للنساء مكرمة"(1). وقال في الجامع: "قال مالك: وأحبّ للنساء قصّ الأظفار وحلق العانة والاختتان مثل ما هو على الرجال"(2).

وقال الشيخ محمد العربي القروي التونسي في الخلاصة: "الختان للذكر سنة مؤكدة، وقال الشافعي رضي الله عنه واجب، والخفاض في الأنثى مندوب"(3).

وقال الشيخ الحبيب بن طاهر التونسي في الفقه المالكي: "الخفاض ختان الصبية... وحكمه الندب"(4).

 

السؤال الثالث:

هل عرف المغاربة ومنهم أهل تونس ختان البنات؟

الجواب:

لا، لم يشتهر ختان البنات عند المغاربة ومنهم أهل تونس، وإنما اشتهر في بعض بلاد المشرق كمصر والسودان. وقد "ذكر الشيخ زروق [في شرحه على الرسالة] أنّ الخفاض يكون في نساء الشرق لا في نساء المغرب"(5).

 

السؤال الرابع:

لماذا لم يشتهر ختان النساء عند المغاربة رغم أنه مندوب عند المالكية؟

الجواب:

قال ابن الحاج في المدخل: "والسنة في ختان الذكر إظهاره، وفي ختان النساء إخفاؤه. واختلف في حقهنّ هل يخفضن مطلقا أو يفرق بين أهل المشرق وأهل المغرب؛ فأهل المشرق يؤمرون به لوجود الفضلة عندهن من أصل الخلقة، وأهل المغرب لا يؤمرون به لعدمها عندهن، وذلك راجع إلى مقتضى التعليل فيمن ولد مختونا، فكذلك هنا سواء بسواء"(6).  

 

السؤال الخامس:

هل يحقّ لأحد أن يخالف العادة في تونس ويدعو إلى ختان النساء؟

الجواب:      

نعم، يجوز لكل واحد من الناس أن يعبّر عن فهمه للشريعة بشرط أن يكون الفهم منضبطا بقواعد الشرع وأصول الاستدلال. وفيما يتعلّق بمسألتنا، فإنّ حكم ختان الإناث ليس غريبا على علماء تونس، ومن قال باستحبابه أو سنيته لم يأت بجديد، إلا أنّه خالف فهم أهل البلد في تنزيله على الواقع. والأصل في العالم أن يأخذ هذه المسألة بعين الاعتبار، فإن رأى حكما مرتبطا بواقع يتنزّل عليه، فعليه أن يدرس الواقع قبل إطلاق الحكم. والأصل أيضا، أن لا يتعامل علماء تونس بحساسية مع الموضوع بل عليهم أن يثقوا في فهمهم، وأن يناقشوا المسألة مناقشة علمية.

إنّ بعض الناس في تونس يدعون اليوم إلى إحياء الزيتونة، فهل يكون هذا بدعوة وطنية منتنة، وجعجعة، وجعظرية، أم يكون باتزّان وعلم، وثقة في النفس والموروث؟

 

السؤال السادس:

سلمنا بحقّ المخالف في التعبير عن رأيه الشرعي، ولكن أليس من الحكمة تجنب هذه الأمور حتى لا تحدث فتنة؟

الجواب:

من الحكمة أن لا نشغل الناس بقضايا فرعية جزئية اختلف العلماء فيها، وأن نركّز على القضايا الجوهرية المحورية في حياة الناس. فإذا كان من واجب العالم تعليم الناس الأحكام المتعلّقة بالعبادات والأحكام المتعلّقة بالفرد، فمن واجبه أيضا أن لا تتحوّل قضية متعلّقة بالفرد إلى قضية رأي عام حتى لا ينشغل بها الناس عن قضايا تمسّ المجتمع ككل.

وأما الفتنة، فلم يثرها من صرّح بحكم يعلمه علماء تونس، إنّما أثارها دعاة حقوق الإنسان وما يسمى بالمجتمع المدني. وهؤلاء لا يلتفت إلى قولهم في هذه المسألة؛ لأنّ غرضهم التشويش على الصحوة الإسلامية لا غير.

 

السؤال السابع:

دعاة حقوق الإنسان استشهدوا بالطبّ في نقد ممارسة ختان الإناث؛ إذ ثبت أنه يضرّ بالمرأة؟    

الجواب:

حقوق الإنسان ليست هي حقوق الإنسان ككل؛ إنما هي حقوق الإنسان الغربي. فقد فصّلت على مقاسه ووفق مقياسه. فمنظمات حقوق الإنسان هذه، لا تنكر على النساء مثلا تكبير الأثداء وتصغيرها مع أنه قد بان ضرر هذه الممارسة. وما فضيحة زراعة السيلكون الصناعي في فرنسا عنا ببعيدة. ومنظمات حقوق الإنسان هذه، لا تنكر عملية تحوّل الذكر إلى أنثى، ومع ذلك فهي تنكر عملية ختان الأنثى.

وأمّا الضرر الحاصل من الختان لبعض الإناث في بعض المناطق، فسببه الختان الفرعوني وليس الإسلامي. فهناك ممارسات خاطئة لا تمتّ إلى الإسلام بصلة هي التي أنتجت الضرر. لذلك لا يتحمل الإسلام مسؤوليتها.

 

خاتمة:

مسألة ختان الإناث عندنا مسألة منتهية، قد بتّ فيها العلماء منذ قديم الزمن، فلا حاجة إلى إثارتها من جديد وإشغال الناس بها. لذلك وجب التركيز على القضايا التي تهمّ المجتمع ككل؛ لأنّ عودة الإسلام إلى الحياة وتطبيقه في المجتمع لا تكون من خلال المسائل المتعلّقة بالفرد، إنما من خلال المسائل المتعلّقة بالأمّة أي مسائل الحكم والسياسة والدولة والاقتصاد والاجتماع والمعاملات.

 

25 ربيع الأوّل 1433هـ  

  

 

___________________________

(1) الرسالة، ص272، دار الغرب الإسلامي، ط2 سنة 1997م

(2) كتاب الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ، ص209-210، مؤسسة الرسالة، ط2 سنة 1983م

(3) الخلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية، ص270، دار الاعتصام.

(4) الفقه المالكي وأدلته، ج3 ص16، مؤسسة المعارف، ط2 سنة 2003م

(5) نقلا عن المصدر السابق

(6) المدخل، ج3 ص296، مكتبة دار التراث.