اللائكية في ميزان العقل والنقل (7)

 

الكاتب: ياسين بن علي

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

 

اللائكية في ميزان العقل:

 

2. مناقشة المؤمن:

اللائكي المؤمن هو من يؤمن بالإسلام أو هو من لا ينكر الإسلام، إلا أنّه لا يقول بشموله ويرى حصره في جانب الحياة الخاصة باعتباره علاقة شخصية بين الإنسان وخالقه.

ومنطلق البحث مع اللائكي المؤمن يرتكز على سؤال هو: لماذا يجب يحصر الإسلام في الحياة الخاصة (البيت) وإبعاده عن الحياة العامة (المجتمع، الدولة)؟

من اللائكيين من يجيب على هذا السؤال من داخل المنظومة الإسلامية، كألفة يوسف مثلا التي تقول: "وإذا كانت اللائكية في معناها الأبسط فصلا للدّين عن الدّولة فيمكن لي أن أتساءل عن الفرق بينها وبين ما يدعو إليه القرآن من احترام عقيدة البشر واعتبار كلّ واحد حرّا في دينه واقتناعاته العقديّة:{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ}. بل أكثر من ذلك إنّ القرآن يؤكّد أنّ اختلاف العقيدة بين البشر ممّا أراده الله تعالى في الكون: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين}. والموقف من هذا الاختلاف هو بالضّرورة القبول والرّضا لإرادة الله هذه...". فهي ترتكز على الشرع لبيان لائكيته. وبإذن الله تعالى، سنبيّن لها ولأمثالها بطلان هذا المنهج حين مناقشتنا الشرعية لفكرة اللائكية.

ومن اللائكيين من يجيب على هذا السؤال من خارج المنظومة الإسلامية، كصالح الزغيدي (كاتب عام الجمعية التونسية للدفاع عن اللائكية) الذي ينطلق من منهج عقلاني غربي لفصل الإسلام عن الحياة.

وسنناقش هنا ما يسمى بالمبررات العقلية الداعية إلى فصل الدين عن الحياة، وبالتالي فصله عن الدولة.

 

1. المبرّر الأول: تعريف الدين

أجمع دعاة اللائكية على أنّ الدين (الإسلام) علاقة شخصية بين الإنسان وخالقه. وسؤالنا هو: من أين لهم هذا التعريف؟

فإن قالوا: هذا التعريف من الإسلام نفسه أي أنّ الإسلام في ذاته علاقة شخصية بين الإنسان وخالقه.

قلنا: هذا غير صحيح؛ لأنكم تعلمون علم اليقين أن الإسلام يتضمّن تشريعات تنظّم علاقة الإنسان بنفسه وعلاقته بغيره، وهو ما يطلق عليه "الشريعة"، وتعلمون علم اليقين أنّ الإسلام كان مطبقا في دولة يطلق عليها الدولة الإسلامية أو الخلافة الإسلامية. علاوة على هذا، فأنتم تنتقدون أحكام الحدود والإرث مثلا وهي ليست علاقة شخصية، وهذا يعني أنكم تقرّون بوجود جملة من الأحكام الإسلامية التي تنظم علاقات مجتمعية، وتقرّون ضمنا بأنه غير محصور في مجرّد علاقة شخصية بين الإنسان وخالقه.

فإن قالوا: هذا التعريف من خارج الإسلام أي أننا حكمنا على الإسلام بأنّه علاقة شخصية بين الإنسان وخالقه بغضّ النظر عن حقيقة موقفه هو من المسألة.

قلنا: هذا باطل لأمور كثيرة منها:

الأمر الأول: أنّ الحكم على الإسلام دون أخذ موقفه بعين الاعتبار يدلّ على نزعة إقصائية تعسفية ضدّ الإسلام.

الأمر الثاني: أنّ الحكم على الإسلام من خارج الإسلام بأنه علاقة شخصية بين الإنسان وخالقه يدلّ على نزعة إقصائية تعسفية ضدّ المسلم الذي يخالف التعريف اللائكي. فهو من باب إكراه المسلم المخالف للتعريف على تعريف ورأي وعمل أي إلزام المسلم بالقوة على اللائكية. فالشعب التونسي يرفض اللائكية بنسبة 95% على الأقل، ومع ذلك يريد دعاة اللائكية إلزامه بتعريفهم بقوة القانون وسلطة الدولة. 

الأمر الثالث: أنّ الحكم على الإسلام بحصره في البيت، وإلزام الناس بهذا التعريف، يخالف قاعدة النسبية التي تزعمها اللائكية ويتبجّح بها اللائكيون؛ إذ يجعلون تعريفهم للدين من باب المطلق الذي لا تجوز مخالفته. فإن خالفهم أحد الناس أكرهوه على رأي وموقف بحجة التعريف وسلطة القانون الذي يسعون إلى تقنينه.

الأمر الرابع: أنّ الحكم على الإسلام بحصره في البيت دون أخذ موقفه بعين الاعتبار، يعني الحكم على الله عزّ وجلّ بأنه لا يحكم خارج البيت.

سيقول اللائكي: أنا لا أحكم على الله فأنا مؤمن به، ولكنني أحدد العلاقة به ضمن المجال الشخصي والحياة الخاصة.

والجواب على هذا: أنّ الإيمان يعني إثبات وجود الخالق، وهذا يقتضي منا بداهة النظر في علاقته بالمخلوق. بمعنى، إذا قلنا: إننا نؤمن بخالق خلقنا، فإننا لا نتوقف عند ذلك الإثبات بل نسأل: هل من علاقة بيننا وبينه أم لا؟ هل خلقنا وتركنا أم خلقنا وكلّفنا؟ فلا بدّ لنا كمخلوقين من النظر في علاقتنا بالخالق.

وعلاقة الخالق بالمخلوق: إمّا أن يحدّدها الخالق أو يحدّدها المخلوق. أمّا المخلوق فلا يمكن له تحديد علاقته بالخالق، لأنه عاجز وقاصر ومحدود، فلا يتأتى له العلم بإرادة الخالق منه ما لم يعلمه الخالق نفسه؛ لذلك يجب عقلا أن يكون تحديد علاقة الخالق بالمخلوق، للخالق نفسه. وبناء عليه نسأل: من حدّد علاقة الخالق بالمخلوق التي اقتضت وفق التصور اللائكي حصر العلاقة في البيت؟

فإن قيل: حدّدها المخلوق. قلنا: لا شكّ في بطلان هذا؛ وما أدرانا أنها إرادة الخالق.

وإن قيل: حدّدها الخالق. قلنا: أين الدليل؟

الأمر الخامس: أنّ اللائكي الذي يزعم الإيمان، ويطالب بفصل الدين عن الحياة والدولة باعتبار الدين عنده مسألة شخصية، يناقض نفسه من جهة العقل؛ لأنّه يثبت الدّين وينفيه في آن واحد. أمّا إثباته للدّين فمن خلال قوله بأنه يؤمن بالدين، وأمّا نفيه للدّين آن إثباته، فيفهم من واقع الدّين نفسه الذي يعرّفه بأنه إيمان بخالق وبيوم بعث وحساب. فإذا كان الإيمان بالخالق يقتضي بداهة إثبات كلّ صفات الكمال له، كالقدرة والعلم المحيط بكلّ شيء، فإنّ فصل الدين عن الحياة ينفي هذا الإيمان؛ لأنّه يسلب عن الخالق صفات كماله من خلال نفي قدرته على تدبير شؤون الخلق أو من خلال عدم الاعتراف له بالحاكمية والتشريع. وإذا كان الدّين يقتضي بداهة الإيمان بيوم حساب نحاسب فيه على كل كبيرة وصغيرة، فإنّ الفصل ينفيه؛ لأنّه ينفي أعمال الحساب. فعلى ماذا سيحاسبنا الله يوم القيامة، إذا كان الدين لا علاقة له بحياتنا؟ ثمّ هل سيحاسبنا الله يوم القيامة على عدم الالتزام بشرعه أم سيحاسبنا على عدم الالتزام بالقانون الوضعي؟ ومثال ذلك: يحرّم الله عز وجلّ الربا بنص قطعي، والقانون الوضعي يبيحه. فماذا نفعل؟ إذا التزمنا بالحرمة، فقد حكّمنا الشرع في مسألة تتعلق بالمعاملات أي لم نفصل الدين عن الحياة وخالفنا اللائكية. وإذا عملنا بإباحة القانون للربا أي مارسنا اللائكية، فقد خالفنا أمر الله القطعي. ووفق اللائكية، لا يجب أن نلتزم بالشرع إنما يجب أن تلتزم بالقانون، وهذا يعني أنّ الله لن يحاسبنا على عدم الالتزام بالشرع (لأنه غير ملزم أو غير موجود)، ولن يحاسبنا على الالتزام بالقانون (لأنه بشري)، أي أن الله لن يحاسبنا على شيء.

 

2. المبرّر الثاني: القداسة

يقول اللائكيون: "الدين مقدّس ولا يتدخل في السياسة حتى لا يشوّه". ويشرح هذا المعنى اللائكي صالح الزغيدي بقوله: "نريد أن لا يختلط الدين بالسياسة، لأن الدين يفضي على نفسه طابعا قدسيا والسياسة أبعد شيء عن القداسة، الدين إيمان والسياسة رأي.. يقول الدكتور رفعت الأسد: «إذا تحول الرأي إلى دين، فتلك كارثة، وإذا تحول الدين إلى رأي، فتلك كارثة ثانية».. فأن يتحول الدين إلى حزب سياسي، يعني ذلك أن الدين يصبح موضوع جدل وصراع بين الفرقاء على الساحة السياسية، ويتحول الفضاء السياسي إلى حلبة دينية تتصارع فيها المذاهب والتأويلات والتفسيرات والمقاربات الفقهية، في حين أن السياسة لا تحتمل ذلك، لأنها مجموعة من الأفكار والتصورات الدنيوية المختلفة والمتنوعة والمتناقضة والمتغيرة باستمرار"(1).

ومصطلح "قداسة الدين" يستعمله كل اللائكيين بلا استثناء (ملحد ومؤمن) من باب التمييز بين الشأن الديني والشأن السياسي أو الدنيوي. وهم يعنون بالمقدّس الثابت الذي لا يقبل النظر فيه البتة أي لا يقبل النقاش ولا يقبل التبديل والتغيير؛ لأن مصدره الله الذي لا يسأل عما يفعل ولا يراجع فيما حكم. وإليك بطلان هذا الزعم:

أولا: إذا كان المقدّس هو ما لا يقبل النظر فيه البتة ولا يقبل مراجعة ومناقشة ولا يقبل التبديل والتغيير، فهذا نجده في كل المبادئ. فالشيوعية الاشتراكية فيها المقدّس، والرأسمالية العلمانية فيها المقدّس، إلا أن الفرق من جهة التقديس بمعنى أنّ الثابت في الإسلام ثابت بأمر الله تعالى، والثابت في الشيوعية والرأسمالية ثابت بأمر الإنسان. وللدلالة على هذا يكفي أن نذكّر اللائكي بأن اللائكية والديمقراطية والحريات لا تقبل النظر فيها عنده أي مقدّسة.

فهناك في الإسلام ما لا يقبل النظر فيه البتة وهو ما ثبت بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة. وهناك ما يقبل النظر فيه فكرا وسلوكا وهو ما ثبت بدليل ظني الثبوت أو الدلالة، وهذا أغلب الأحكام الشرعية الفروعية. فعندنا إذن ما لا يقبل أن يناقش ويغيّر وهو قليل، وعندنا ما يقبل ذلك وهو كثير. فلا فرق بين الإسلام وغيره من المبادئ فيما يتعلّق بهذه المسألة.

ثانيا: المشكلة لا تكمن في الإسلام من حيث تضمّنه الثابت والمتغير، إنما تكمن في تعامل اللائكي مع الإسلام من حيث إخضاعه كلّه للنقاش والتبديل. فاللائكي يجعل الإسلام كلّه، أصوله وفروعه، مما يقبل النقاش والتغيير، ولا يجعل أصول فكره اللائكي وبعض فروعه قابلة للنقاش والتغيير. فعند اللائكي: من حقّك أن تعلن فصل الدين عن الدولة، وليس من حقك أن تعلن ربط الدين بالدولة. وعند اللائكي: من حقك أن تستمد رؤيتك من أقوال ماركس، وليس من حقك أن تستمدّها من أقوال محمد (عليه الصلاة والسلام). وعند اللائكي: من حقّك أن تقول بأن الزنا حرية شخصية، وليس من حقك أن تقول بأن الزنا حرام. وعند اللائكي: من حقك أن تثبت وجود الله أو تنفيه، ومن حقك أن تؤمن بنبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) أو تكفر بها، ومن حقك أن تؤمن بالإسلام أو تكفر به، ومن حقك أن تقبل بالقرآن أو ترفضه، فكل ما يتعلق بالإسلام يقبل التشكيك والنقد، وأما ما يتعلق بالفكر اللائكي كاللائكية نفسها والديمقراطية والحريات (وفق التصور الغربي) فليس من حقك التشكيك في هذا الفكر أو رفضه والعمل على تغييره.

وهذا يعني، أنّ اللائكي يناقض نفسه بنفسه؛ لأنه قد حكم على الإسلام بعدم القداسة عندما جعله كلّه (أصولا وفروعا) مما يقبل النقاش، وحكم على فكره هو بالقداسة عندما لم يجعله كلّه مما يقبل النقاش، ومع ذلك يزعم أن الإسلام مقدّس؟!

ثالثا: إذا كان اللائكي يزعم أنه مؤمن، ويزعم أيضا أنّ الدين مقدّس، فكيف يتعامل المؤمن مع المقدّس؟ هل يعمل به أو يرفضه؟!

وإذا كان اللائكي يزعم أن القرآن مقدّس، وهذا القرآن المقدّس يقول له: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} فهل يعمل بما جاء فيه أم يضعه في زاوية في البيت؟

وإذا كان اللائكي يزعم أنه مؤمن، ويزعم أيضا (من تلقاء نفسه) أنّ القرآن مقدّس بمعنى أنّ أحكامه ثابتة لا تقبل التغيير، فكيف يقول بعدها: دعنا نبدّل حكم الميراث (مثلا)؟ فهل يعقل هذا ما يقول؟

وصدق الله عزّ وجلّ القائل: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.

 

يتبع إن شاء الله تعالى...   

            

____________________

(1) عن "هل اللائكية ممكنة في تونس: هل هي الطريق إلى الديمقراطية أم تهميش للدين"، جريدة الشروق، 16/03/2011م.