اللائكية في ميزان العقل والنقل (10)
الكاتب: ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه
ومن والاه
مناقشة بعض الشبهات
الشبهة الأولى:
قالت الدكتورة ألفة يوسف: "وإذا
كانت اللائكية في معناها الأبسط
فصلا للدّين عن الدّولة فيمكن لي أن أتساءل عن الفرق بينها
وبين ما يدعو إليه
القرآن من احترام عقيدة البشر واعتبار كلّ واحد حرّا في
دينه واقتناعاته العقديّة:{وَقُلِ الْحَقّ مِنْ
رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ
فَلْيَكْفُرْ}
{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ
عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ}. بل أكثر من ذلك إنّ القرآن
يؤكّد أنّ اختلاف العقيدة بين البشر ممّا
أراده الله تعالى في الكون: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ
لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ
كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى
يَكُونُوا مُؤْمِنِين}.
والموقف من هذا الاختلاف هو بالضّرورة القبول والرّضا
لإرادة الله هذه..."(1).والجواب
على هذا من وجوه:
أولها:
أنّ البحث يتعلّق بتطبيق أحكام الإسلام في المجتمع والدولة
ولا يتعلّق بإكراه الأفراد على الإيمان بعقيدة الإسلام؛
بدليل أنّ المسلمين طبّقوا الإسلام على اليهود والنصارى
ولم يكرهوا أحدا على اعتناق عقيدته. فاليهود في تونس مثلا
عاشوا ضمن الدولة الإسلامية لقرون كثيرة ولم يلزمهم أحد
بالتخلي عن عقيدتهم. ونحن حينما نتحدث عن عدم الفصل بين
الدين والدولة فلا نعني بذلك إكراه غير المسلمين على
اعتناق عقيدة الإسلام، إنما نعني تطبيق الإسلام على شعب
مسلم يؤمن بعقيدة الإسلام. وأما غير المسلمين فحقوقهم
محفوظة كما قرّرها الإسلام؛ فلا يكرهون على اعتناق
الإسلام، ويعاملون في أمور المطعومات والملبوسات والزواج
والطلاق حسب أحكام دينهم، وما عدا ذلك فهم كالمسلمين
يخضعون للنظام العام المبني على أحكام الإسلام.
ثانيها:
توحيد الحاكمية بمعنى الاعتقاد الجازم بأنّ حقّ التشريع
والحكم لله وحده لا شريك له، من أركان العقيدة الإسلامية.
قال الله تعالى: {...
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا
إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)}
(يوسف). فهل تحترم اللائكية هذا؟
إنّ اللائكية لا تحترم عقيدة المسلمين؛ لأنها لا تقبل بها
كما هي في ذاتها، إنما تعرّفها وتحدّها وفق تصوّرها بمعنى
تجعل العقيدة الإسلامية مجرّد إيمان بخالق، ثمّ تزعم بعدها
أنّها تحترمها بل تحارب من يخالف هذا التعريف وتصفه
بالرجعي المتطرّف. فأين احترام العقيدة؟ وهل العقيدة
الإسلامية هي ما عرّفها الإسلام نفسه أم هي ما عرّفها دعاة
اللائكية؟
إنّ الإسلام أرقى وأعظم من اللائكية؛ لأنّه لا يعرّف
الأديان أو المبادئ حين التعامل معها بل يترك تعريفها
لأصحابها ويعاملهم وفق التعريف الذي ارتضوه لأنفسهم، وأمّا
اللائكية، فتعرّف الأديان والمبادئ بنفسها ثمّ تزعم
الحرّية والتسامح!
إننا لا نقول للشيوعي مثلا: عليك أن تقول إنّ الشيوعية
مجرّد فلسفة خيالية لا تعلّق لها بسياسة واقعية، أو هي
مجرّد مبادئ مثالية عن الاشتراكية. لا نقول له هذا، ولا
نعرّف له شيوعيته، إنما نقول له: إن شئت العيش في دار
الإسلام فعليك الخضوع لأحكام الإسلام ضمن النظام العام،
وحياتك الخاصة وعقيدتك لا تعنينا.
وأما اللائكية نتاج العقل الغربي، فتقول لنا: الإسلام ليس
كما تعرّفه أنت، إنما هو كما أعرّفه أنا، وعليك أن تقبل
بهذا التعريف قبل أن تعيش معنا خاضعا لنظامنا. فاللائكية
إقصائية تتدخّل في عقائد البشر بل تملي عليهم ما يعتقدون
قبل أن تملي عليهم ما يفعلون.
ثالثها:
تقول الدكتورة: "إنّ
القرآن يؤكّد أنّ اختلاف العقيدة بين البشر ممّا
أراده الله تعالى في الكون: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ
لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ
كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى
يَكُونُوا مُؤْمِنِين}.
والموقف من هذا الاختلاف هو بالضّرورة القبول والرّضا
لإرادة الله هذه...".
ونحن نسأل الدكتورة: ما علاقة هذا بتطبيق الإسلام؟
فهل وجود الكفر في الأرض، وعدم إكراه الناس على العقيدة،
يعني وجوب أن نحتكم لغير شرع الله تعالى.
إنّ الذي قال: {
أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين}،
هو الذي قال: {وَعَدَ
اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا
اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا
يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ
بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
(55)}
(النور)، وهو الذي قال: {إِنَّا
أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ
بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ
لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)}
(النساء)، وهو الذي قال: {وَأَنْزَلْنَا
إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ
يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا
تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ
شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ
لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا
الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
(48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ
بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ
وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ
اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ
(49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ
يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ
يُوقِنُونَ (50)
}(المائدة).
{أَفَتُؤْمِنُونَ
بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}؟!
الشبهة الثانية:
قالت الدكتورة ألفة يوسف: "وإنّي
من موقعي داخل المنظومة
الإسلاميّة أربأ بالدّين عن أن يتدخّل في الشّؤون
السّياسيّة الدّنيويّة التي تظلّ
سياقيّة نسبيّة وعرضة للخلافات والمصلحيّة وأعدّ جوهر
الإسلام قائما على الحرّية المسؤولة في الحياة الدّنيا لا
على ادّعاء امتلاك الحقيقة وفرضها على الآخرين باسم
الدّولة"(2).
أقول:
الدولة الإسلامية لا تزعم امتلاك الحقيقة وفرضها على
الآخرين، إنما ترعى شؤون الناس بأحكام الإسلام. وأحكام
الإسلام منها ما هو قطعي الثبوت والدلالة فلا يقبل
الاجتهاد والتغيير، ومنها ما هو ظني الثبوت أو الدلالة
فيقبل الاجتهاد والتغيير.
فقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}، قطعي
الثبوت والدلالة، فلا يقبل الاجتهاد فيه. والدولة
الإسلامية لا تفرض هذا القول كحقيقة على المسلمين بالقوة،
إنما تطبّقه عليهم كحقيقة؛ لأنهم أجمعوا عليه ولم يختلفوا
فيه. فكل مسلم يعلم أنّ هذا القول غير قابل للاجتهاد
والتغيير.
وأمّا المسائل الظنية القابلة للاجتهاد، فيجتهد فيها
الناس، وللخليفة أن يتبنى رأيا من تلك الاجتهادات
المختلفة، فيعمل به كقانون. ولا يعني هذا أنه غير قابل
للتغيير؛ إذ قد يتغير إذا تغير اجتهاد الخليفة عبر الشورى
أو إذا تغير الخليفة نفسه. فقد تبنى أبو بكر رضي الله عنه
في خلافته توزيع المال على الناس بالتساوي، ولما جاء عمر
رضي الله عنه تبنى خلاف رأي أبي بكر فوزع المال بالتفاضل
حسب القدم في الإسلام وليس بالتساوي. ولم يقل أحد من
المسلمين أنّ الخليفة الأول فرض حقيقة بالقوة أو أنّ
الخليفة الثاني فرض حقيقة بالقوة، إنما هي مسألة اجتهادية.
ولو تدبّر أصحاب اللائكية في واقع الدول الغربية لوجدوا
أنه لا يختلف عن واقع الدولة الإسلامية؛ إذ هناك من
الأحكام ما لا يقبل الاجتهاد عندهم، وهناك من الأحكام ما
يقبل الاجتهاد وتتبنى فيه الدولة، ومع ذلك لم يقل أحد أنّ
الدولة تفرض حقيقة بالقوة.
الشبهة الثالثة:
قال الأستاذ راشد الغنوشي:
"بهذا المعنى يمكن أن تجد العلمانية الجزئية لنفسها مكانا
في تصور إسلامي اعترف بنوع من التمايز بين المجال السياسي
بما هو شأن دنيوي يدور على جلب المصالح ودرء المفاسد، مما
تأهل فيه العقل للإدراك، وبين المجال الديني وبالخصوص
التعبدي مما لا سبيل إليه في كلياته وجزئياته غير سبيل
الوحي من عقائد وشعائر وأخلاقيات ومقاصد. وشأن هذا ومرجعه
ما ثبت بنص يقيني الثبوت ورودا ودلالة، ولذلك ميز الفقهاء
والأصوليون بين مجال العبادات، والأصل فيه التقيد بالنصوص
الواردة دون تعليل ولا تعطيل وبين مجال المعاملات، والأصل
فيه البحث عن العلل والمقاصد والمآل، إذ الحكم يدور مع
العلة. ومن هذا القبيل الحديث الصحيح "أنتم أعلم بأمور
دنياكم"، وكان ذلك يتعلق بمسألة فنية زراعية. فلم يرسل
الأنبياء عليهم السلام ليعلموا الناس فنون الزراعة
والمواصلات والحروب وتنظيم المحاكم وفنون إدارات الدول.
وحتى إن حدث أن مارسوها فليس ذلك من جوهر رسالتهم. ولذلك
ميز الأصوليون في عمل الرسول عليه السلام بين مهمته
الرسالية التبليغية، وبين ما يخرج عن ذلك من نشاطه
السلطاني قاضيا ومحاربا ومفتيا وزوجا. الملزم للمسلمين
يقتصر على الجانب الأول أما الجانب الثاني فيندرج ضمن
الاجتهاد أو لنقل ضمن السياسة. وكان الأصحاب عندما يلتبس
عليهم الأمر يسألون: أهذا الأمر وحي أم رأي؟ أي سياسة.
فإذا كان الأول قالوا سمعنا وأطعنا وإذا كان من الصنف
الثاني أعملوا رأيهم حتى وإن خالف رأي النبي عليه السلام..."(3).
والجواب على هذا من وجوه:
أولها:
يقول الأستاذ الغنوشي: "المجال
الديني وبالخصوص التعبدي مما لا سبيل إليه في كلياته
وجزئياته غير سبيل الوحي من عقائد وشعائر وأخلاقيات
ومقاصد. وشأن هذا ومرجعه ما ثبت بنص يقيني الثبوت ورودا
ودلالة...". ولا ندري من أين اشتراط القطع في كل هذا؟
فالذي عليه العلماء، أنّ العقائد يشترط فيها القطع، وأمّا
الأحكام العملية كلّها من عبادات ومعاملات وأخلاق فلا
يشترط فيها أن تكون ثابتة "بنص يقيني الثبوت ورودا
ودلالة". قال الشيخ الطاهر ابن عاشور: "على أننا غير
ملتزمين للقطع وما يقرب منه في التشريع؛ إذ هو منوط
بالظن"(4).
ثانيها:
يقول الأستاذ الغنوشي: "المجال
السياسي بما هو شأن دنيوي يدور على جلب المصالح ودرء
المفاسد، مما تأهل فيه العقل للإدراك". والظاهر أن
الأستاذ الغنوشي يقصد بكلامه استقلال العقل بالتشريع في
السياسة وعدم الاستناد إلى الوحي. ولذلك فصل المجال
السياسي الدنيوي عن "المجال الديني
وبالخصوص التعبدي مما لا سبيل
إليه في كلياته وجزئياته غير سبيل الوحي من عقائد وشعائر
وأخلاقيات ومقاصد". فقد حصر الأستاذ الغنوشي الوحي في مجال
العقيدة والعبادة والأخلاق، وأما السياسة فلا تعلّق لها
بالوحي؛ لأنها مجال تأهل العقل فيه للإدراك. وهذا غير
دقيق؛ بدليل قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ
الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
يُوحَى (4)} (النجم). وقوله تعالى:
{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا
تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)} (النساء). قال
القرطبي: "قوله
تعالى: {بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} معناه على قوانين
الشرع؛ إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي. وهذا أصل
في القياس..."(5). وأخرج البخاري
عن
أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم
الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر، وذراعا
بذراع. فقيل: يا رسول الله كفارس والروم، فقال: ومن الناس
إلا أولئك".
قال ابن حجر العسقلاني: "فحيث
قال فارس والروم كان هناك قرينة تتعلق بالحكم بين الناس
وسياسة الرعية، وحيث قيل: اليهود والنصارى كان هناك قرينة
تتعلق بأمور الديانات أصولها وفروعها، ومن ثم كان في
الجواب عن الأول (ومن الناس إلا أولئك)"(6).
فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تقليد الكفار في
مسائل الحكم والسياسة، ولو كانت السياسة غير خاضعة للشرع
وخاضعة للعقل، لما نهى عن تقليدهم. وهذا الحديث الصحيح
يردّ على كلّ من زعم إمكان أخذ أنظمة الحكم والسياسة من
الكفار.
ثالثها:
يقول الأستاذ الغنوشي:
"ميز الأصوليون في عمل الرسول عليه السلام بين مهمته
الرسالية التبليغية، وبين ما يخرج عن ذلك من نشاطه
السلطاني قاضيا ومحاربا ومفتيا وزوجا. الملزم للمسلمين
يقتصر على الجانب الأول أما الجانب الثاني فيندرج ضمن
الاجتهاد أو لنقل ضمن السياسة". ويبدو أن الأستاذ الغنوشي
لم يفهم قصد العلماء من هذا التمييز؛ إذ مرادهم من تعيين
مقامات الأقوال والأفعال الصادرة عن النبي صلى الله عليه
وسلم بيان الجهة المنوط بها التصرف، وليس إخراج نصف الشرع
أو أكثره من مقام الإلزام.
قال الإمام القرافي (رحمه الله) وهو أول من اهتدى إلى هذا
التقسيم: "ثم تصرفاته صلى الله عليه وسلم بهذه الأوصاف
تختلف آثارها في الشريعة فكل ما قاله صلى الله عليه وسلم
أو فعله على سبيل التبليغ كان ذلك حكما عاما على الثقلين
إلى يوم القيامة... وكل ما تصرف فيه عليه السلام بوصف
الإمامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام اقتداء
به عليه السلام... وما تصرف فيه صلى الله عليه وسلم بوصف
القضاء لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بحكم حاكم اقتداء به
صلى الله عليه وسلم..."(7).
ويبيّن الإمام القرافي الأمر بمثال فيقول: "قوله صلى الله
عليه وسلم "من أحيا أرضا ميتة فهي له" اختلف
العلماء رضي الله عنهم في هذا القول هل تصرف بالفتوى فيجوز
لكل أحد أن يحي أذن الإمام في ذلك الإحياء أم لا، وهو مذهب
مالك والشافعي رضي الله عنهما، أو هو تصرف منه عليه السلام
بالإمامة، فلا يجوز لأحد أن يحي إلا بإذن الإمام وهو مذهب
أبي حنيفة رحمه الله"(8). فحكم إحياء الموات من الأحكام
الشرعية الثابتة، والاختلاف في تعيين جهة تصرف النبي صلى
الله عليه وسلم، هل هو بالفتوى أم بالإمامة، لم يخرجه عن
دائرة التشريع بمعنى ثبوته كحكم.
فلم يقل الإمام القرافي – كما فهم الأستاذ الغنوشي - إنّ
حكم إحياء الأرض غير ملزم؛ لأنه صدر عن النبي صلى الله
عليه وسلم في مقام الفتوى أو الإمامة.
يقول الشيخ الطاهر ابن عاشور: "فأما حال التشريع فهو أغلب
الأحوال على الرسول عليه الصلاة والسلام إذ لأجله بعثه
الله... وأما حال الإفتاء فله علامات... وأما حال القضاء
فهو ما يصدر حين الفصل بين المتخاصمين المتشادين... وهذه
الأحوال الثلاثة كلها شواهد التشريع وليست التفرقة بينها
إلا لمعرفة اندراج أصول الشريعة تحتها. والفتوى والقضاء
كلاهما تطبيق للتشريع..."(9). فقد جعل الشيخ الطاهر الذي
طوّر تقسيم القرافي، الإفتاء والقضاء من شواهد التشريع.
وأمّا الأستاذ الغنوشي فقد أخرج الإفتاء والقضاء من دائرة
التشريع والإلزام، وأوهمنا بأنّ ذلك التقسيم من صنع علماء
الأصول!
رابعها:
يستدلّ الأستاذ الغنوشي على علمانية الإسلام الجزئية أي
الفصل بين الشأن الدنيوي والشأن الديني بحديث "أنتم
أعلم بأمور دنياكم". وقد سبق لعلي عبد الرازق أن
استدلّ بهذا الحديث في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" لتقرير
انفصال الشأن الدنيوي عن الشأن الديني فردّ عليه الشيخ
الطاهر ابن عاشور قائلا: "وأعجب من هذا كلّه استدلاله في
صحيفة 78 على نفي أن يكون النبي له حكم في الأغراض
الدنيوية بقوله صلى الله عليه وسلم: "أنتم أعلم بأمور
دنياكم" بعد أن حذف منه جذره وسببه. وهذا أيضا من السفسطة
لأن الدنيا تطلق على هذا العالم بأسره وهي بهذا المعنى
موضوع الشرائع والتي مراد الله نظامها ونظام أهلها، وهي
مزرعة الآخرة ومطية الجنة أو النار، وتطلق على ما عدا
الأمور الدينية والمعاني العلمية، فيقال هذا الإطلاق
بالدين وبالحق، وإطلاق الحديث من هذا الثاني لأنه راجع إلى
إصلاح النخل بالتأبير وليس من يطلق على ما عرض لمسماه من
مظاهر الجبروت شرط الرسول ولا الملك أن يكون عالما بما
يتجاوز رسالته وحكمه من أحوال الصنايع والحرف"(10).
فنص الحديث كما أخرجه مسلم:
عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون، فقال:
لو لم تفعلوا لصلح. قال: فخرج شيصا، فمر بهم فقال: ما
لنخلكم ؟ قالوا: قلت كذا وكذا، قال: " أنتم أعلم بأمر
دنياكم". وأصله ما أخرجه مسلم عن موسى بن طلحة عن أبيه
قال: "مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على
رءوس النخل، فقال: ما يصنع هؤلاء ؟ فقالوا : يلقحونه،
يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ما أظن يغني ذلك شيئا. قال فأخبروا بذلك
فتركوه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: إن
كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا
تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا، فخذوا به،
فإني لن أكذب على الله عز وجل".
قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند: "وهذا
الحديث مما طنطن به ملحدو مصر وصنائع أوربة فيها، من عبيد
المستشرقين، وتلامذة المبشرين، فجعلوه أصلا يحجون به أهل
السنة وأنصارها، وخدام الشريعة وحماتها، إذا أرادوا أن
ينفوا شيئا من السنة، وأن ينكروا شريعة من شرائع الإسلام،
في المعاملات وشؤون الاجتماع وغيرها... والحديث واضح صريح،
لا يعارض نصا، و لا يدل على عدم الاحتجاج بالسنة في كل
شأن، لأن
رسول الله لا ينطق عن الهوى، فكل ما جاء عنه فهو شرع
وتشريع، (وإن
تطيعوه تهتدوا)،
وإنما كان في قصة تلقيح النخل أن قال لهم "ما أظن ذلك
يغني شيئا"، فهو لم يأمر ولم ينه، ولم يخبر عن الله،
ولم يسن في ذلك
سنة، حتى يتوسع في هذا المعنى إلى ما يهدم به أصل التشريع،
بل ظن ثم اعتذر عن ظنه، قال: "فلا تؤاخذوني بالظن"، فأين
هذا مما يرمي إليه أولئك؟"(11).
فهذا الحديث، كما يفهم من سياقه ومنطوقه ومفهومه، يتعلّق
بقضية فنية زراعية ليس بالضرورة أن يكون النبي صلى الله
عليه وسلم عالما بها. ولذلك
بوب الإمام النووي لهذا الحديث بقوله: "باب وجوب امتثال ما
قاله شرعا، دون ما ذكره صلى
الله عليه وسلم من معايش الدنيا
على سبيل
الرأي". وإذا كان الأمر يتعلّق بقضية فنية زراعية، فمن أين
لبعض الناس أن يقول بأنه يفيد فصل السياسة عن الدين. فهل
تعلّق الحديث بمسألة سياسية؟
خاتمة:
إن ما تم ذكره ومناقشته في هذه السلسلة يصلح لأن يؤسس عليه
لنقض كل تبرير لللائكية؛ لأننا نقضنا أسسها وهدمنا أصولها،
وبيّنا بطلانها وفسادها بالدليل العقلي والنقلي.
يقول عالم الاجتماع الشهير بيتر برغر (Peter
L. Berger)
الذي كان من أشدّ الدعاة إلى العلمانية في الستينات من
القرن الماضي: "إن العالم اليوم، مع بعض الاستثناءات...
أشدّ تديّنا مما كان عليه من قبل، وفي بعض المناطق أكثر
مما كان عليه من قبل. وهذا يعني أنّ كيانا كاملا من أدبيات
نظرية العلمنة التي صاغها مؤرخون وعلماء اجتماع بغير دقة
هو في جوهره خاطئ"(12). ويقول عالم الاجتماع رودني ستارك (Rodney
Stark)
وعالم الاجتماع روجي فينك (Roger
Finke):
"بعد حوالي ثلاثة قرون من الإخفاق التام في التنبؤات وسوء
تصور الماضي والمستقبل، يبدو أن الوقت قد حان لأخذ عقيدة
العلمنة إلى مقبرة النظريات الفاشلة..."(13).
فهذه شهادة من مفكري الغرب بموت النظرية العلمانية وفشلها،
فلماذا يصرّ بعض الناس في بلدنا على الدعوة إلى نظرية
فاشلة بشهادة أهلها؟ ولماذا نستورد البضاعة الفاسدة
الفاشلة الباطلة وعندنا ما أنزل الله من حقّ؟
قال الله سبحانه وتعالى: {
أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ
بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا
وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ
حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ
اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ
فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ
فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ
الْأَمْثَالَ (17)}
(الرعد).
_______________________
(1)
عن "هل
اللائكية ممكنة في تونس: هل هي الطريق إلى الديمقراطية أم
تهميش للدين"، جريدة الشروق،
16/03/2011م.
(2) السابق.
(3)
مقال: الإسلام والعلمانية، لراشد الغنوشي،
الخميس 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008م.
عن موقع:
http://www.ghannoushi.net/
(4) مقاصد الشريعة الإسلامية، ص39
(5) تفسير القرطبي، ج5 ص376
(6) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج15 ص236
(7) الفروق، ج1 ص357-358
(8) السابق، ص359
(9) ينظر مقاصد الشريعة الإسلامية، ص27-28
(10) نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم، ص21-22
(11) المسند للإمام أحمد، ج2 ص177
(12)
SACRED AND SECULAR:
Religion and Politics Worldwide, Pippa Noris and Ronald
inglehart, Cambridge University Press2009,
p.4
(13) السابق.