مفهوم البدعة (2)

 

الكاتب: ياسين بن علي

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

4. مفهوم البدعة

تبيّن معنا مما سبق:

- أنّ الشارع لم يعرّف لفظ البدعة؛ فلا توجد لها حقيقة شرعية. 

- وأن ليس كل محدث بدعة بمعنى الضلالة؛ إذ هناك محدثات حسنة.

- وأن ليس كل مخالفة للسنة تعتبر بدعة ضلالة.

- وأنّ البدعة وصف معيّن لمخالفة معيّنة.

- وأنّ البدعة في اللغة هي: "كل عَمل عُمل على غير مثال سبق"، أو هي "المُخْتَرَعُ لا عن مثال سابق". وكذلك هي في الاصطلاح: قال أحمد زروق في عمدة المريد الصادق – كما في إحياء السنة وإخماد البدعة للشيخ عثمان بن فودي-: "وحقيقة البدعة شرعا: إحداث أمر في الدين يشبه أن يكون منه وليس منه".

وعليه، كيف يتأتى لنا الآن تحديد معنى بدعة الضلالة التي ورد في السنة التحذير منها: "وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، أو ما هو العمل أو المحدث الذي يخالف الشرع ويصدق عليه وصف بدعة الضلالة؟ أو بعبارة أخرى: ما هي هذه المخالفة المعيّنة التي توصف شرعا بأنها بدعة؟

والجواب على هذا أي بيان المخالفة لأوامر الشارع التي توصف بالبدعة، يقتضي منا النظر في أوامر الشرع ذاتها لبيان ما حدّد الدليل مثاله الذي لا يجوز إتيان العمل على خلافه. وبعبارة أخرى، إذا قلنا: إن البدعة هي عمل عُمل على غير مثال سابق، فنحتاج لبيان الأوامر الشرعية التي حددت مثال العمل وحرّمت العمل بخلافه ووصفته ببدعة الضلالة.

وباستقراء أوامر الشرع تبيّن أنها نوعان: 

1. نوع ورد فيه الأمر بالفعل دون بيان الإجراءات العملية لتنفيذه؛ إذ جاءت صيغته عامة أو مطلقة دون بيان كيفية أدائه التفصيلية. ومثال ذلك: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}، فهذا أمر بالكتابة ورد مطلقا، فلم يبيّن الشارع تفاصيل أدائه، كأن يكون بقلم الرصاص أو الحبر، وكأن يكون على ورق أو خشب، وكأن يكتب بصيغة معينة، وغير ذلك مما يتعلّق به من تفاصيل. ومثال ذلك أيضا: قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، فهذا أمر بالقتال دون بيان إجراءاته التفصيلية، كأن يكون بالسيوف أو البنادق أو المدافع، وكأن يكون في الصيف أو الشتاء، وكأن يكون بأسلوب الكر أو الفر، وكأن يكون بالعدد القليل أو الكثير، وغير ذلك من تفاصيل عملية.

2. نوع ورد فيه الأمر مفصّلا، أي مع بيان كيفية أدائه التفصيلية وإجراءات تنفيذه العملية العملية. ومثال ذلك:قال الله سبحانه وتعالى {وَأَقِيمُوا الصّلَاةَ}، فهذه صيغة أمر بأداء الصلاة، ولكن الشارع لم يترك للإنسان تحديد إجراءات أداء هذا الأمر بمعنى أن يصلي كما يريد وكيف يريد ومتى يريد، بل بيّن له بتفصيل دقيق كيف يؤدي الصلاة ويحقّق الأمر. عن أبي هريرة أن رجلا دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد فصلى، ثم جاء فسلم عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل. فرجع فصلى ثم جاء فسلم، فقال: وعليك السلام، فارجع فصل فإنك لم تصل. فقال في الثانية أو في التي بعدها: علمني يا رسول الله، فقال: إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تستوي قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" (رواه البخاري). وكذلك قال سبحانه {وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}، فطلب الشارع الحجّ ثمّ بيّن كيفية أدائه التفصيلية. عن جابر (في وصف حج النبي صلى الله عليه وسلم): "... فأهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك... حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام... ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا ... فبدأ بالصفا، فرقي عليه... ثم نزل إلى المروة... فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس... حتى أتى عرفة ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها... حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين... حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها..." (رواه مسلم).

إذا، هناك أوامر للشارع وردت معها إجراءات تفصيلية عملية للتنفيذ والأداء، وهناك أوامر أخرى للشارع وردت مطلقة أو عامة دون كيفية أداء تفصيلية.

وهذه الإجراءات العملية أو كيفية التنفيذ التفصيلية للأمر هي المثال الذي حدّد للعمل وحرّم مخالفته. وبعبارة أخرى: إذا كانت البدعة لغة هي عمل عُمل على غير مثال سابق، فالبدعة شرعا هي كل عمل عُمل على غير مثال عمل الشرع الذي حدّد كيفيته أي بخلاف الكيفية التنفيذية للأمر الشرعي. وهذا هو مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وعليه، فمخالفة كيفية شرعية بيّنها الشرع لأداء أمر شرعي، هي البدعة. وهكذا، فإن من صلى الظهر خمس ركعات بدلا من أربع فقد جاء ببدعة، ومن سجد ثلاثا في صلاته بدل اثنتين فقد جاء ببدعة، ومن رمى ثماني حصيات بدلا من سبع على جمرات منى فقد جاء ببدعة، ومن زاد في ألفاظ الأذان فقد جاء ببدعة.

أما مخالفة أمر الشارع الذي لم ترد له كيفية أداء، فهي تقع في الأحكام الشرعية المعلومة، فيقال عنها حرام أو مكروه أو مباح إن كان خطاب تكليف، أو يقال باطل أو فاسد أو غير ذلك، إن كان خطاب وضع، وذلك حسب القرينة المصاحبة للأمر من حيث الجزم أو الترجيح أو التخيير، ولكن لا يقال لها بدعة. فمن تعامل بالربا لا يقال جاء ببدعة، ومن باع الخمر لا يقال جاء ببدعة، ومن تزوجت بغير إذن وليها لا يقال جاءت ببدعة، ومن تبرجت لا يقال جاءت ببدعة، ومن تكاسل عن الصلاة لا يقال جاء بدعة، ومن أكل الخنزير لا يقال جاء ببدعة، ومن قتل بغير حق لا يقال جاء ببدعة، ومن كذب لا يقال جاء ببدعة، ومن غشّ لا يقال جاء ببدعة، ومن ترك السلام لا يقال جاء ببدعة؛ فلا يقال بدعة في ما هو من قبيل مخالفة أمر الشارع المطلق أو العام.

قال الشاطبي (في الاعتصام): "ثبت في علم الأصول أن الأحكام المتعلقة بأفعال العباد وأقوالهم ثلاثة: حكم يقتضيه معنى الأمر، كان للإيجاب أو الندب. وحكم يقتضيه معنى النهي، كان للكراهة أو التحريم. وحكم يقتضيه معنى التخيير وهو الإباحة. فأفعال العباد وأقوالهم لا تعدو هذه الأقسام الثلاثة: مطلوب فعله، ومطلوب تركه، ومأذون في فعله وتركه. والمطلوب تركه لم يطلب تركه إلا لكونه مخالفا للقسمين الأخيرين، لكنه على ضربين: أحدهما أن يطلب تركه وينهى عنه لكونه مخالفة خاصة مع مجرد النظر عن غير ذلك، وهو إن كان محرما سمي فعلا معصية وإثما وسمي فاعله عاصيا وآثما وإلا لم يسم بذلك، ودخل في حكم العفو حسبما هو مبين في غير هذا الموضع، ولا يسمى بحسب الفعل جائزا ولا مباحا؛ لأن الجمع بين الجواز والنهي جمع بين متنافيين. والثاني أن يطلب تركه وينهى عنه لكونه مخالفة لظاهر التشريع من جهة ضرب الحدود، وتعيين الكيفيات، والتزام الهيئات المعينة أو الأزمنة المعينة مع الدوام ونحو ذلك. وهذا هو الابتداع والبدعة، ويسمى فاعله مبتدعا...".

 

5. أين تقع البدعة؟

تبيّن معنا أنَّ مخالفة أمر الشارع المبيَّن له كيفية تنفيذ وأداء هي بدعة. والسؤال الآن هو: أين ينطبق هذا التعريف أي أين تقع البدعة بالتعريف المذكور؟ هل تقع في في العبادات أو في المعاملات أو في غير ذلك؟

والجواب على هذا السؤال المتعلّق بضبط المجال الذي تقع فيه البدعة يقتضي منا النظر في أي مجال وردت أوامر الشرع المبيَّن لها إجراءات تفصيلية للتنفيذ؟

وباستقراء النصوص الشرعية وجد أن النصوص المتعلقة بالأخلاق والمعاملات والحكم والقضاء وغير ذلك وردت فيها أوامر مطلقة وعامة، وفقط في غالب العبادات وردت كيفيات تفصيلية وإجراءات عملية لأداء أوامر الشارع. ولذلك فلا تقع البدعة وفق المفهوم المذكور في غير العبادات؛ لأنها هي فقط التي وردت فيها إجراءات عملية تفصيلية تنفيذية. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يؤدي أصحابه رضوان الله عليهم العبادات كما تلقوها عنه. أخرج البخاري ومسلم: عن البراء بن عازب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك، فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به. قال: فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، قلت: ورسولك، قال: لا، ونبيك الذي أرسلت". قال ابن حجر (في الفتح): "وأولى ما قيل في الحكمة في رده صلى الله عليه وسلم على من قال الرسول بدل النبي أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، وهذا اختيار المازري قال: فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه. وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحى إليه بهذه الكلمات فيتعين أداؤها بحروفها".

 

6. ما ينكر من البدع؟

هناك من الناس من يتعصّب لمفهوم البدعة مع تعميمه لها على كلّ شيء خالف رأيه. ومع أننا نشيد بحرص هؤلاء على هجر البدع والتمسك بالسنن، إلا أننا نحذّر من التعصب وإشغال الأمة بأمور اختلف فيها أهل العلم. لذلك نذكّر بأمر غفل عنه كثير من الناس، ألا وهو عدم الإنكار على من عمل بأمر اختلف فيه العلماء. قال الشيخ عثمان بن فودي (في إحياء السنة وإخماد البدعة): "وأما ما ينكر من البدع وما لا ينكر، فاعلم – وفقنا الله وإياك- أنه تقدّم أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام قال: الإنكار متعلق بما أجمع على إيجابه أو تحريمه، فمن ترك ما اختلف في وجوبه، أو فعل ما اختلف في تحريمه، فإن قلد بعض العلماء فلا إنكار عليه إلا أن يقلده في مسألة ينقض حكمه فيها. انتهى. قلت: وعلى هذا فلا يجوز لك أن تنكر البدعة على أحد إلا أن تعلم أنها من البدع المحرمة إجماعا. ونعني بالنهي عن الإنكار إنكار الحرام، ولو أنكرته إنكار النصح والإرشاد فذلك نصح وإحسان... وفي تخليص الإخوان أيضا قبل هذا الكلام بقليل: فخففوا يا إخواني – هداكم الله – البدعة، وفصلوا بين القبيحة فتنكروها، وبين الحسنة فلا تنكروها، لتسلموا عند ربكم من ملابسة منكر بالنهي عن منكر، فإن من ينكر ما لا يحل إنكاره كعامل المنكر الذي ينهاه أو أكبر...".

 

7. خاتمة:

تبيّن معنا:

1- أن البدعة تعني المحدث على غير مثال سابق بيّنه الشرع.

2- ليس كل محدث بدعة بمعنى الضلالة، بل فقط التي على خلاف الكيفية التي بينها الشرع.

3. هناك محدثات حسنة كجمع الناس في صلاة التراويح، أو مباحة كلباس معيّن يستر العورة لم يكن من قبل.

4- أن مخالفة أمر الشارع الذي بين الشارع له كيفية أداء تفصيلية تسمى هذه المخالفة بدعة.

5. أن مفهوم البدعة مختلف فيه، وأن من البدع ما اختلف فيه، وأن البدع التي ينهى عنها هي المجمع عليها.

6. أن المخالفة التي ثبت وصفها بالبدعة هي ضلالة. "وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار".

 

12 جمادى الأولى 1431هـ

 

ÑÊÈ: ÇáßÓÇ ÇáÚÑÈí