|
الخيال الخلاّق
الكاتب: ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول
الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
قال الراغب في المفردات: "الخيال: أصله الصورة المجردة كالصورة
المتصورة في المنام وفي المرآة وفي القلب بعيد غيبوبة المرئي، ثم
تستعمل في صورة كل أمر متصور وفي كل شخص دقيق يجري مجرى الخيال،
والتخييل: تصوير خيال الشيء في النفس، والتخيل: تصور ذلك، وخلت بمعنى
ظننت يقال اعتبارا بتصور خيال المظنون. ويقال خيّلت السماء: أبدت خيالا
للمطر، وفلان مخيل بكذا أي خليق، وحقيقته: أنه مظهر خيال ذلك.
والخيلاء: التكبر عن تخيل فضيلة تراءت للإنسان من نفسه، ومنها يتأول
لفظ الخيل لما قيل إنه لا يركب أحد فرسا إلا وجد في نفسه نخوة...".
فالخيال هو تصوّر غير الواقع كواقع،
وتصوّر المعدوم كموجود، وتصوّر الغائب كمشاهد. وقد أبدعت العرب غاية
الإبداع حين أطلقت لمخيّلتها العنان فصاغت من المفردات ما يبرز أدقّ
المعاني ويكشف حقائقها البديعة أي صوّرت لنا ما لا نراه كأننا نراه.
فأنظر إلى معنى الخيلاء والخيل، وكيف تفطن العرب بفطرتهم وسليقتهم إلى
صوغ عبارة أو مفردة تبرز العالم الخفي للنفس البشرية وما يعتريها من
أحاسيس ومشاعر. فالخيلاء بمعنى التكبّر، ولكن ليس كل تكبّر خيلاء، إنما
هو الذي يعتري الإنسان إذا رأى في نفسه ما لم يره غيره، فهو تكبر أساسه
تخيّل الإنسان أو تصوّره لفضيلة فيه. والخيل، اسم من أسماء الفرس، وقد
أطلقت العرب هذا الاسم على الحيوان المعروف لما ينتج في نفس راكبه من
شعور، أي لما يجده الراكب ويتخيّله من نخوة وعظمة.
والخيال بمعنى التصوّر لا يعني البحث
في غير المحسوس وتجاوز الواقع، بل يعني رسم صورة الواقع غير المرئي،
وإن شئت قلت: هو إدراك الواقع المحسوس غير الملموس. فهو محسوس لأنه
مبني على الحس، وقابل للحس، ولكنه غير ملموس في الحاضر، وقابل للمس في
المستقبل.
وهذا الخيال بمعنى تصوّر الواقع،
ينقسم إلى قسمين: خيال يتعلّق بموجود لا تراه، فتتصوّره كأنك تراه.
وخيال يتعلّق بغير موجود تراه، فتتصوّره كأنه موجود تراه.
أما الخيال الأول المتعلّق بموجود لا
تراه فتتصوّره كأنك تراه، فخير مثال له ما روى مسلم عن حنظلة الأسيدي
قال: - وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: "لقيني
أبو بكر، فقال: كيف أنت؟ يا حنظلة قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان
الله ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم،
يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا،
قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى
دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة، يا رسول
الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله
نكون عندك، تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من
عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيرا فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي،
وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة
وساعة، ثلاث مرات".
فالصحابة رضوان الله عليهم، كانوا
يرون الجنة والنار كأنها أمام أعينهم. فلله درهم ما أعظم إيمانهم.
وأما الخيال الثاني المتعلّق بغير
موجود تراه، فتتصوّره وتتخيّله كأنه موجود تراه، فهو الخيال الخلاّق.
فهو خيال لأنه يتعلّق بواقع غير موجود وتتخيّل وجوده، وهو خلاّق لأنه
غير موجود وتسعى لإيجاده. فهو فكر واقعي لأنه حكم على واقع محسوس، وهو
فعل لأنه نشاط بشري يقتضي فعالية مؤثرة في الممكنات، وبعبارة أخرى، فهو
تغيير الواقع إلى واقع أو استبدال الواقع بواقع.
روى البخاري عن خباب بن الأرت قال: "شكونا
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة،
قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن
قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه
فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه
من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير
الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه،
ولكنكم تستعجلون".
فالنبي صلى الله عليه وسلم، كان يرى غير الموجود كأنه موجود، فهو يرى
الواقع الملموس أي الواقع الحاضر ويرى الواقع المحسوس أي المستقبلي
كأنه ملموس. ونقل هذا الحسّ إلى أصحابه ليبشرهم بقرب زوال هذا الواقع
الأليم. فهو صلى الله عليه وسلم يعلّم أصحابه الخيال الخلاّق، وكأنه
صلى الله عليه وسلم يقول لكل حامل دعوة ولكل مصلح عند فساد الناس ولكل
عامل على التغيير: ليس الواقع ما تراه بل الواقع ما ستراه، وليس الواقع
ما هو كائن بل الواقع ما سيكون؛ لأنك تستمد قوتك وأملك من آمر بالكاف
والنون، {بَدِيعُ السّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً
فَإِنّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.
إنّ أمتنا اليوم في حاجة إلى هذا الخيال الخلاّق لتنهض من جديد، ولتعود
خير أمة أخرجت للناس. فهي في حاجة إلى قيادة مبدعة تصنع الواقع ولا
يصنعها، وتغيّر الواقع ولا يغيّرها؛ قيادة تتصوّر الواقع الذي يجب أن
تكون عليه الأمة وتعمل لإيجاده؛ قيادة يتحقّق فيها شرط الله ليتحقّق
لها وعد الله.
{وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدّلَنّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنا يَعْبُدُونَنِي لَا
يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْفَاسِقُونَ}.
03 ربيع الثاني 1431هـ |