مختارات

التحولات الإستراتيجية في النظام الدولي

بقلم: بهاء الدين الزهري

 

في ظل الانهيار الأمريكي متعدد الجوانب، لا تتمكن أمريكا أن تلتقط الأنفاس، أو تتنفس الصعداء، وحلفاؤها من حولها يتساقطون، والحليف الأكبر الاتحاد الأوروبي على حافة الانهيار كذلك، وإن كانت أمريكا هي التي كانت تدفعه ناحية الانهيار والتفكك، حتى لا تبقي منازعا لها على الساحة الدولية، ويبدو الآن أنها تدفع معه الثمن.
كذلك فشلت السياسات الأمريكية بعد الحرب الباردة في منع صعود قوى عظمى، حتى أنها فشلت في احتواء الاتحاد السوفيتي كما أرادت، وانتهت سياستها لتطويق الاتحاد السوفيتي بخطأ استراتيجي، وهو غزوها أفغانستان ثم العراق.
فعاد الاتحاد السوفيتي يتنفس الصعداء، ويتحسس طريقه نحو قمة النظام الدولي ليزاحم عليها، كما شهدت الساحة الدولية صعود قوى أخرى وبصورة مخيفة، وهي الصين، التي شهدت انطلاقة اقتصادية خطيرة، على التوازي لمعاناة الاتحاد الأوروبي وأمريكا.
ففي عام 1980 كان نصيب الصين وحدها من إجمالي الإنتاج العالمي 2%، وفي عام 2000 صعد إلى 7.6 %، ومن المتوقع أن يصل إلى 19.9 % بحلول 2015.
وفي ظل وقت الأزمة المالية 2009، تجاوزت نسبة النمو الاقتصادي للصين 8%.


ما بعد الحرب الباردة
انطلقت أمريكا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي بصورة متوحشة، من أجل تحقيق الهيمنة الإمبريالية على العالم، وجميع الحروب التي خاضتها كانت من أجل بناء الإمبراطورية الأمريكية.
ومنذ انتهاء الحرب الباردة وأمريكا تعمل بكامل طاقتها على تطويق الاتحاد السوفيتي، وقص أطرافه، والتواجد على محيطه الأوروبي والآسيوي، واستطاعت بالفعل -أمريكا- أن تتدخل في البلقان ضد حليفته صربيا بعد تفكيك يوغسلافيا، وفي شرق أوروبا حيث انفرط عقد النفوذ الروسي، وبدأت دول المنطقة تسعى إلى دخول الاتحاد الأوروبي، مثل بولندا والمجر ورومانيا وبلغاريا والتشيك، بالإضافة إلى دول البلطيق إستونيا ولاتفيا وليتوانيا, كما استطاعت أن تنشئ عدة قواعد عسكرية في هذه الدول، وأعقب ذلك عدة ثورات على أنظمة موالية لروسيا فيما عرف بالثورات الناعمة، البرتقالية وغيرها. وبعد أن ظنت أمريكا أنها قد أحاطت بروسيا من جميع الجهات، وضيقت عليها الخناق، إذ بتحول خطير في الاستراتيجية الروسية، ألقى بها من مقدمة النظام العالمي كقطب أوحد، إلى أوحال نظام غير واضح المعالم، غامض المستقبل، متعدد الأقطاب؛ بسبب السياسات العسكرية الأمريكية المتوحشة ْغير الحكيمة على الإطلاق، بدءًا من حرب أفغانستان والعراق، اللتين كانت نهايتهما السقوط الحضاري الأمريكي: سياسَّيا واقتصاديَّا.


الصعود الروسي
شهد العقد الأخير صعود القوة الروسية في المجتمع الدولي عقب تولي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رئاسة روسيا (2000-2008)، سواء على مستوى السياسة الداخلية أو الخارجية، فروسيا ما تزال تعتبر من أكبر وأهم الفاعلين الصاعدين قوة في النظام الدولي.
وتكفي الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية في نفس هذه الفترة، خلال ولايتي الرئيس جورج بوش، قد ارتبطت بخمسة حروب: غزو واحتلال أفغانستان، والعراق، وحرب 2006 في لبنان، وحرب القوقاز، والعدوان على غزة، وقد انتهت هذه الحروب استراتيجَّيا بفشل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها، وكان الطرف الروسي في بعض هذا الفشل.
وتمثل الحرب الروسية العسكرية ضد جورجيا، تحولًا كبيرًا وانتصارًا استراتيجيَّا ليس ضد جورجيا وحسب، فقد كانت تلك مواجهة مع الولايات المتحدة وحلف الأطلنطي, لأنها أحدثت تغيرا في موازين القوى الإقليمية للمحيط الحيوي الروسي. كما "هيأت مناخًا وبيئة دولية جديدة، تمكن دولًا أخرى من التحرك الفاعل ضد الولايات المتحدة وحلف الاطلنطى، إذ كان عدم وجود قطب دولي منافس ومعاند للولايات المتحدة أحد أسباب تردد تلك الدول فى مواجهة نفوذ الولايات المتحدة وجبروتها ومظالمها." (طلعت رميح: أوراق روسيا في الصراع)
وإذا كانت هذه المواقف "قد أعادت إلى الأذهان لمحات من القوة الروسية التاريخية، فمن المشكوك فيه أن تستعيد روسيا هيمنتها الإقليمية ونفوذها العالمي. فهي تعاني تدهورا في الإمكانيات العسكرية، وفسادًا منتشرًا في مؤسسات الدولة، ومشاكل ديموجرافية، وغير ذلك من عوامل الضعف الداخلي. وما تحتاج إليه روسيا هو شريك قادر على مساعدتها في تخطي هذه المشاكل، واستعادة قوتها الضائعة. ولن تستطيع روسيا تحقيق ذلك دون مساعدة من الغرب". وفقا لسيمون سيرفاتي في مقال "الحركة نحو عالم ما بعد الغرب".


التطويق الأمريكي لروسيا
ولذلك نجد أن روسيا قد تحركت من أجل إقامة تحالفات دولية وإقليمية جديدة، خاصة مع القوى الصاعدة في النظام الدولي: مثل الصين والهند والبرازيل، مع تعزيز تواجدها في أمريكا اللاتينية وكذلك في المنطقة العربية. كما سعت أيضا إلى تطوير علاقتها مع الاتحاد الأوربي، خاصة ألمانيا.
تدرك أمريكا ذلك جيدا، ومن ثم تتحرك هي في عكس حركة روسيا، كما تتحرك عابرة لصديقتها أوروبا الغربية، لتقيم علاقات قوية، وتواجدا مكثفا في أوروبا الشرقية، وإقامة تحالفات مع هذه الدول الشرق أوروبية، حيث مثل أيضا توجه دول أوروبا الشرقية نحو أمريكا، ضربة أخرى تهدد الكيان الأوروبي، ولكن من يحفل بذلك؟
هكذا تعود إلى محاولاتها السابقة التطويقية مع الاتحاد السوفيتي، خوفا من أن تجد روسيا حليفًا دوليَّا قويَّا تستعيد معه قوتها الضائعة، وهو الدور الذي تسعى أوروبا إليه، خاصة دولا مثل ألمانيا, ولكن الخوف الأكبر يأتي من آسيا.


صعود المارد الصيني
الرعب الأمريكي الحقيقي يأتي من الصين، ذلك البلد الذي يراهن دوما على عامل الزمن، ويتحرك بثبات وبطء نحو تحقيق أهدافه الاستراتيجية. فهي ليست متعجلة للقيام بدور عالمي، وليس لديها عقدة نقص تجاه القوى المتفوقة عليها، وهي التي تحقق النمو الثابت الحازم اقتصاديَّا وتكنولوجيَّا وعلى صعيد الفوائض المالية، من أجل التقدم والتفوق، وإضعاف الخصوم.
وقد اعتمدت الصين سياسة خارجية، تواصلت لعقود طويلة، تقوم على عدم التدخل في الأزمات الإقليمية والدولية، خارج محيطها الحيوي الجغرافي. حتى عندما كان الأمر يتعلق بحلفائها، وبصفة خاصة: إيران- سوريا- ليبيا، كانت تلتزم التحفظ تجاه القرارات الدولية الأمريكية والأوروبية، لاسيما داخل مجلس الأمن.
وقد انتقلت الصين في علاقاتها مع الغرب، من المواجهة إلى الشراكة والتعاون، مرورا بمرحلة المواجهة. وانتقلت في استراتيجيتها مع الدول النامية من مرحلة الشراكة والدعم والتأييد، إلى مرحلة المصالح وتبادل المنفعة.
وهو ما حدث لعلاقاتها مع الدول العربية، إذ السياسة الصينية كانت تعتمد علاقاتها مع الدول العربية كورقة سياسية "تلاعب بها" واشنطن، نظرا لاهتمامات واشنطن بهذه الدول الواقعة في منطقة الشرق الأوسط، وتحولت السياسة الصينية إلى مساندة الدول العربية، بعد أن كانت تؤيدها تأييدًا كاملًا في السابق، بل إنها كثيرا ما تخلت حتى عن هذه المساندة بعد ذلك .
وفي عام 2001 كانت الصين ما تزال ترى العالم خاضعًا للهيمنة الأمريكية، وأن النظام الدولي يفتقد الانضباط والتوازن والديمقراطية، بما جعلها تأخذ باستراتيجية الانفتاح لتعميق قدراتها وتطوير مصالحها العليا، لكي تصل إلى هدفها الاستراتيجي، وهو عملية التحديث.
ولكن حدث تحول في السياسة الصينية من بعد، كان من أهم أسبابه السقوط الحضاري الأمريكي، كما أشرنا من قبل، بما كان ينبئ عن خروج العالم إلى نظام متعدد الأقطاب، وهو ما كانت تريده الصين وتعتبره طريق التغيير السلمي الهادئ للنظام الدولي.
وكذلك التغيرات الاقتصادية الدولية، التي من أهمها الأزمات الحادة الأوروبية والأمريكية، التي ألقت بالأولى على حافة التفكك والانهيار، وكلاهما على حافة الإفلاس.
ومن مؤشرات هذا التحول: اتخاذ العديد من المواقف الدولية الجادة تجاه قضايا بعينها، على خلاف مواقفها السابقة، وتحديدا: الأزمة السورية والليبية, إضافة إلى أزمة بلدان منطقة اليورو، وأزمة ملف مكافحة القرصنة في خليج عدن، فضلا عن اتخاذها مواقف صارمة من تايوان، وفي الأزمة النووية الكورية، التي استطاعت فيها حماية الكيان الكوري الشمالي، الذي تطور ووصل حد التسلح النووي..علنا.


الفيتو الصيني
عندما تنتقل القضايا الدولية المتعلقة بحلفاء الصين إلى داخل مجلس الأمن، إزاء مشروعات القرارات الأمريكية والأوروبية، فإن الصين كانت تكتفي بالامتناع عن التصويت, دون استخدام حق الفيتو, أو حتى مجرد التلويح بذلك.
ولكن الأزمة السورية شهدت تغيرا، إذ انضمت إلى روسيا، مستخدمة حق النقض (الفيتو) لإحباط أي قرار غربي يدين النظام السوري، أو يهدده بعقوبات، (وهو ما يشير إلى تغيير في الموقف الصيني من حركة الشعوب العربية أيضا).
وقال المندوب الصيني: إن حل الأزمة يكون عن طريق الحوار لا عن طريق القرارات الدولية, وحث في الوقت نفسه السلطات السورية على الإسراع في الإصلاحات التي وعدت بها.
وقد شكل هذا الموقف نقطة بارزة لجهة حدوث تحول جديد في أداء وتوجهات السياسة الخارجية الصينية في مواجهة أمريكا وأوروبا.. والأطلنطي.


التمدد الصيني
تمارس الصين، بشكل واسع وغير مسبوق دوليَّا، دبلوماسية "الأموال السائلة" (
cash diplomacy)؛ مما أدى إلى أن تمتد مصالحها الحيوية إلى مختلف أنحاء العالم. فقد وعدت الصين اليونان والبرتغال وإسبانيا بأن تساعدها في اجتياز أزماتها المالية. كما نمت تجارة الصين مع أمريكا اللاتينية بمقدار عشرة أضعاف في الفترة ما بين عامي 2000 و 2007، وتجاوزت 142 مليار دولار عام 2008.
من ناحية أخرى، تمتد حدود الصين لنحو 10 آلاف ميل مع 14 دولة مختلفة، مما يمثل عبئًا أمنيَّا. وتتقاطع مصالحها مع مصالح القوى المجاورة في عدة مناطق. فهناك تقاطع في المصالح بين الصين وروسيا في آسيا الوسطى، ومع أوروبا والولايات المتحدة فيما يتعلق بإيران وأفغانستان وكوريا الشمالية. كما أن للصين نزاعًا حدوديا مع الهند، وتتقاطع معها في المصالح في باكستان وسيرلانكا. وهناك عداء تاريخي بين الصين واليابان، لا يزال يلقي بظلاله على العلاقة ما بين البلدين.


مواجهات صينية أمريكية
تشير توقعات المحللين السياسيين إلى أن بكين سوف تسعى خلال الفترة القادمة للقيام بالمزيد من فعاليات الدبلوماسية الوقائية الرامية إلى احتواء مخاطر تمدد الطموحات الأمريكية السالبة التأثير على البيئة الدولية -ومحيطها الحيوي بشكل خاص-، وفي هذا الخصوص تقول التسريبات إن بكين قد أصبحت على علم كامل بالمعطيات الآتية:
• الضغط الأمريكي على أنجولا لعدم تزويد الصين بالإمدادات النفطية.
• تهديد الشركات الصينية باحتمالات مواجهة العقوبات بالحرمان من العمل في الأسواق الأمريكية وأسواق الاتحاد الأوروبي إذا لم توقف معاملاتها مع إيران، وقد جرى فرض عقوبات على شركة صينية بالفعل.
• استغلال فعاليات أزمة التصعيدات العدوانية الكورية الشمالية ـ الكورية الجنوبية كذريعة لجهة القيام بنشر المزيد من القطع البحرية والغواصات النووية الأمريكية في المناطق البحرية المطلة على الساحل الصيني المواجه للمحيط الباسيفيكي.


تطويق أمريكا للصين
على الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت وتقوم بجهود عالية مع شركائها الأوروبين من أجل دمج الصين في النظام الدولي، إلا أنها أيضا تعود إلى ما يشبه أيام الحرب الباردة، كما كانت تفعل مع الاتحاد السوفيتي، لتطويقه ومنع تمدد الغزو الشيوعي، فهي تفعل ذلك الآن مع روسيا ومع الدول الأخرى الصاعدة، في محاولة لتطويقها دوليا.
من هذا المنطلق تسعى أمريكا إلى الدول المحيطة بالصين، وهكذا تنتقل حلبة الصراع الأمريكي الصيني إلى مواجهات خارج الحدود الجغرافية للدولتين، وخارج المنظمات الدولية، رغبة من أمريكا لوقف تمدد الصين خارج القارة الآسيوية، بل خارج محيطها الإقليمي، في أفريقيا، وفي آسيا من باكستان وأفغانستان إلى بورما والهند، مرورا بالفلبين، وتايوان، إلى الكوريتين، وكذلك من الجنوب: مع أستراليا، وصولا إلى اليابان، التي تمثل الضلع الثالث من القوى الآسيوية، مع الصين والهند.
حيث تشهد هذه البلدان تحركات دبلوماسية وسياسية أمريكية، وضغطاً أمريكياً شديداً لتوجيه سياسة هذه الدول في صالح الجانب الأمريكي ضد التمدد الصيني.
وفي المقابل تسعى الصين "لإقامة علاقات دبلوماسية أوثق مع المنافسين الاقتصاديين والسياسيين المحتملين للولايات المتحدة، مثل اليابان والهند وألمانيا، وتطوير مصالح مشتركة مع معظم دول العالم الثالث، وبخاصة الآسيوية، لتعزيز المكانة الصينية، وزيادة قدرة الصين علي المساومة مع الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، واستئناف الحوارات والاتصالات السياسية والعسكرية الرسمية مع واشنطن وحلفائها، والحفاظ علي علاقات إيجابية مع دول آسيا الوسطي وإيران". (نادية حلمي "التنافس الإقليمي من منظور الصين")


صعود قوى أخرى
لاشك أن دولًا كثيرة قد استفادت من انشغال كًّل من طرفي القوى السابقين: أمريكا وروسيا، في السنوات الماضية - عندما انشغلت الولايات المتحدة بحروبها، وروسيا بإعادة بناء اقتصادها - لتعزيز مكانتها دوليًا من خلال بناء ثقل اقتصادي وعسكري على الساحة الدولية، مثل: الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا.
هذا من شأنه أن يقلل من إمكانية العودة إلى أجواء الحرب الباردة بين الطرفين، بل يتجاوز إمكانية توافقهما على القضايا الدولية التي يعنيان بها بناءً على مبدأ المساومة والتفاوض، في ظل هذا النظام العالمي الجديد الذي هو أشبه ما يكون بنظام تعدد القوى، أو اللاقطبية.


الاستراتيجية الأمريكية مع مصر
هناك أربعة عناصر أساسية في استراتيجية الولايات المتحدة لغزو العالم والسيطرة عليه، وهي: أولاً السيطرة على الاقتصاد العالمي والأسواق المالية, ثانيا: وضع اليد على جميع مصادر الثروة الطبيعية (من مواد أولية ومصادر الطاقة) التي تعتبرعوامل حسّاسة لنمو ثرواتها ونفوذها، وذلك عبر فعاليات الشركات متعددة الجنسيات, ثم ثالثا: الوصاية على 191 حكومة هي أعضاء في منظمة الأمم المتحدة, وأخيراً الغزو والاحتلال، ومراقبة هذه العناصر بواسطة شبكة من القواعد العسكرية المنتشرة في كل أركان الكرة الأرضية (في القارات, والمحيطات والجو, والفضاءات). (ماري شهرستان، الشبكة العالمية للقواعد العسكرية الأمريكية وأسس إرهاب الشعوب.)
وهذه الاستراتيجية اعتادت أمريكا تنفيذها على ثلاث مراحل، كما بيَّن جون بيركنز في "اعترافات رجل اقتصادي قاتل مأجور" (
Economic Hitman) وفي كتاب "التاريخ السري للإمبراطورية الأمريكية". المرحلة الأولى: إجبار الدول على الاقتراض من البنك الدولي وصندوق النقد، بالطرق التهديدية الدبلوماسية والسياسية وما شابه. وفي حالة الرفض، تأتي المرحلة الثانية: إزالة هذه الأنظمة والحكومات الرافضة، بشتى الطرق. وإن عجزوا، فالمرحلة الأخيرة، وهي الغزو والاحتلال.
ففي المرحلة الأولى، عندما توافق الدولة على الاقتراض، وفق المخطط الأمريكي، تنفق هذه الأموال في مشروعات ضخمة وهمية، وفي أيدي عملائهم بالداخل، ومن ثم لا يحدث تقدم أو تنمية وتغرق الدولة في الديون. فيأتي العملاء الاقتصاديون الأمريكيون المأجورون لمطالبة البدان بدفع الديون بأية طريقة وبأي ثمن: نفط رخيص، أصوات في الأمم المتحدة على قضايا حيوية ومهمة، أو جنود لدعم عسكري أمريكي في بعض الأماكن، كما في العراق.


مصر في مواجهة أمريكا
عندما ترفض الدول الاقتراض من البنك الدولي، وفقا للمرحلة الأولى، تزاح الأنظمة، كما فعلت أمريكا مع رئيس الوزراء الإيراني المنتخب ديمقراطيا، محمد مصدق، وبدلا من التدخل العسكري أرسلت أمريكا رجل المخابرات كيرميت روزفلت، ومعه بضعة ملايين من الدولارات، ونظم روزفلت مظاهرات استخدم فيها العنف، أدت في النهاية لإسقاط مصدق، واستبدلته السي آي إيه بمحمد رضا بهلوي الديكتاتور الإيراني، صديق شركات النفط الأمريكية الكبرى، الذي لقب بشرطي أمريكا في الخليج.
وكما هو معلوم فقد كان لأمريكا يد أيضا في وصول مصدق للحكم، لكي يقوم بتأميم البترول الإيراني من أيدي الشركات البريطانية، بما جعل الحكومة الأمريكية في إيران موجهة ضد الشركات البريطانية أيضا.
وكان نجاح روزفلت في مهمته هذه بمثابة إعلان ولادة هذه الوظيفة الجديدة في الاستراتيجية الأمريكية الاستعمارية، وهي مهنة رجال الاقتصاد القتلة المأجورون.
وكما حدث في أماكن كثيرة من العالم، حدث مؤخرا في ليبيا، التي لم تكن خاضعة أو تابعة للبنك الدولي، كما أوضحت ذلك: "إيلين براون" في مقالة بعنوان "ليبيا: صراع من أجل النفط أم على السيطرة المصرفية"، تظهر فيها بوضوح أصابع المصارف الاحتكارية الدولية في أحداث ليبيا. تقول براون: "ظاهرة غريبة لفتت أنظار العديد من الكتاب الذين يتابعون مجريات الأحداث في ليبيا، وهي أن الثوار الليبيين أنشأوا بنكا مركزيا خاصا بهم. والغريب في الأمر هو أن هذا البنك قد أنشئ قبل أن يؤسس الثوار لأنفسهم حكومة. وقد دفع هذا الأمر "روبرت وينزل" أن يكتب في مجلة السياسة الاقتصادية: "أنا لم أسمع من قبل، أن يُؤسسَ بنك مركزي بعد بضعة أسابيع فقط من قيام انتفاضة شعبية، إن هذا يعنى أننا لسنا نتعامل في هذه الانتفاضة مع مجرد مجموعة من المتمردين، إنما هناك عوامل أكثر تعقيدا تلعب دورا في هذه الانتفاضة". ويقول "جون كارني" في الـ "
CNN": "أن هذه أول مرة نرى فيها جماعة ثورية تؤسس بنكا مركزيا وهي لا تزال في قتال مع السلطة المركزية القوية، إن هذا يعنى أن هناك دورا خاصا للمصارف المركزية العالمية غير العادية تلعبه في عصرنا هذا".
وتتساءل في النهاية: ما هي أسباب التدخل الغربي في ليبيا؟ هل هي حرب من أجل النفط، أو من أجل ضرب المصرف المركزي الليبي أو لغير ذلك من الأسباب؟. كل ذلك ممكن لكن الأهم هنا هو ان الخطط الليبية لتطوير البنية التحتية للبلاد تهدف إلى تحرير ليبيا من قبضة المقرضين الأجانب وهذا هو التهديد الحقيقي الذي تمثله ليبيا. وهذا هو النموذج الذي تقدمه للعالم وتوضح له ما الذي يمكن أن يفعله. وهذا هو مكمن الخطر الذي يهدد المصالح الغربية.
وكذلك حدث أيضا في العراق، وتمت الإطاحة بصدام حسين عن طريق التدخل العسكري، مرتين، وذلك بعد أن فشلوا في تصفيته جسديا، كما فعلوا مع رؤساء غيره. وهذا انتقال للمرحلة الثالثة.
والآن ما يحدث شبيه إلى حد كبير بهذه الاستراتيجية وهذه المراحل، غير أن الوضع لايمَّكن أمريكا بالتدخل العسكري، كما قد ولى عهد الاغتيالات، فقد تغير الوضع كليا، وكان التحول في المرحلة الثانية، من التغيير بالانقلابات العسكرية، والثورات والتظاهرات النقابية والشعبية والعمالية المسلحة، التغيير بالقوة الناعمة، والثورات السلمية البرتقالية الربيعية، الياسمينية، ولكن باستخدام نفس الأدوات مع التطوير. فرجال الاقتصاد المأجورون قد توحشوا باتساع إلى منظمات حقوق إنسان، ومنظمات مجتمع مدني، وحكومات عميلة، وحركات تغيير وطني، كما أفضنا من قبل بيانه في جريدة الفتح.
والآن إذ تتحرك مصر بعد الثورة، نحو رفض التبعية والخضوع للطرق الاستعمارية الغربية الأمريكية والأوروبية، وتتحرك نحو الاستقلال، فذلك ما يضع أمريكا وحلفائها أمام احتمالات صعبة خاصة بعد فشل عملائهم الليبراليين في الوصول إلى السلطة، ووصول الإسلاميين، فهل تعود أمريكا إلى مرحلة روزفلت، والتغيير بالانقلابات والمظاهرات المسلحة؟ أم تتابع مع استراتيجية القوة الناعمة للتغيير؟ أم تلعب باستراتيجية جديدة مع رئيس جديد، وتستغل عامل الزمن وخبرتها السابقة، في الغدر والمكر والخيانة والرشوة وشراء العملاء وصنع النخب، وصولا إلى حكومة عميلة جديدة؟
وفي كل حال فمصر تمتلك فرصة تاريخية للخروج من نفق التبعية إلى الاستقلال وامتلاك قرارها السياسي والاقتصادي، مستغلة الوضع الدولي متعدد الأقطاب.


النظام الدولي الآن
الوضع الدولي الآن يسمح للدول العربية الثائرة أن تلعب بحكمة مع القوى الصاعدة المؤثرة في النظام الدولي، وتتحرك ضد أمريكا، بحكمة نظام متعدد الأقطاب، واكتساب المواقف، وفرض الشروط، وحسم الأفعال، لاسيما والوضع يذهب إلى تعدد الأقطاب، بل إلى "اللاقطبية". والنظام العالمي القادم، غير واضح المعالم، ولكنه يتشكل بصورة غير مسبوقة أو متوقعة.
تقول سيمون سيرفاتي: "إن غياب أي شكل من أشكال القيادة في عالم متعدد القوي يوجد مناخا من الفوضي، وربما يكون محفوفا بالمخاطر. فهناك مصالح متشابكة قد تدعم التعاون فيما بين الأقطاب المتعددة، لكن اختلاف الرؤي والمناهج فيما بين هذه الأقطاب يجعل الخريطة الجيوسياسية حافلة بالتناقضات وعدم الوضوح. وسوف تصبح عملية اختيار الحلفاء والأصدقاء، وردع الخصوم، وتفادي النزاعات، في ظل هذا الوضع العالمي الجديد، شديدة الصعوبة".

 

عن العرب نيوز