|
بسم الله الرحمن الرحيم
استخراج الجوهر المكنون من منظومة البيقوني (11)
الكاتب: ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
قال الناظم رحمه الله تعالى: (وَالفَردُ
ما قَيَّدْتَهُ بثِقَةِ... أوْ جْمعٍ أوْ قَصْر
على روايةِ)
الشرح:
قوله: (وَالفَردُ)،
وهو الحديث الذي انفرد راو بروايته.
ومن العلماء من يطلق لفظ الفرد على الغريب. قال ابن حجر: "لأنّ الغريب
والفرد مترادفان لغة واصطلاحا. إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من
حيث كثرة الاستعمال وقلته. فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق،
والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي. وهذا من حيث إطلاق الاسم
عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرّقون؛ فيقولون في
المطلق والنسبي: تفرد به فلان أو أغرب به فلان".(1) وقد تعقّب هذا
الكلام المحقّق الكمال بن أبي شريف فقال: "فيما زعمه من كونهما
مترادفين لغة نظر؛ لأن الفرد في اللغة: الوتر، وهو الواحد، والغريب: من
بعد وطنه، والكلام الغريب هو البعيد عن الفهم، فالقول بالترادف لغة
باطل...".(2) وقد أجيب عنه بأن مراد الشيخ بأنهما مترادفان لغة بحسب
المآل.
قوله: (ما قَيَّدْتَهُ بثِقَةِ... أوْ جْمعٍ أوْ قَصْر
على روايةِ).
وهذه في حقيقتها ثلاث صور للفرد:
أولها: (ما قيّدته بثقة) أي ما انفرد به ثقة عن غيره دون
مخالفة. ثانيها: (أو جمع) أي ما انفرد به جمع عن غيرهم كحديث
تفرد به أهل مكة عن غيرهم، وقد يكون المراد ما انفرد به واحد عن جمع،
كأن ينفرد بحديث عن الشاميين أو عن المكيين أو غير ذلك. ثالثها: (أو
قصر على رواية) أي أن يقتصر في الحديث على رواية راو معين، كقولنا
تفرد به فلان عن فلان، ومع ذلك فهو مروي من وجوه أخرى عن غيره.
واعلم، أنّ مردّ هذه الصور إلى نوعين أو قسمين هما:
1. الفرد المطلق: وهو ما كانت الغرابة فيه أو التفرد
في أصل سنده، وهو طرفه الذي فيه الصحابي. وقيل المراد الصحابي ذاته ومن
بعده، وقيل المراد "الذي يرويه عن الصحابي وهو التابعي، وإنما لم يتكلم
في الصحابي لأنّ المقصود ما يترتّب عليه من القبول والردّ، والصحابة
كلّهم عدول".(3) وسمّي بالفرد المطلق؛ لأنّ التفرد فيه لم يقيّد بشيء،
فقد يكون في أصله فقط أو في أصله ومن بعده، وقد يستمرّ في أكثره أو
جميعه.
ومثال الفرد
المطلق: حديث "إنما الأعمال بالنيات" (رواه الشيخان). فقد تفرد
بروايته من الصحابة: (عمر بن الخطاب)، وتفرد بروايته عنه (علقمة بن
وقاص)، وتفرد بروايته عنه (محمد بن إبراهيم التيمي)، وتفرد بروايته عنه
(يحي بن سعيد)، ثمّ رواه عن يحي عدد كثير.
2. الفرد النسبي:
وهو ما كانت الغرابة في أثناء سنده، لا في أصله. وسمّي بالفرد النسبي؛
لأنّ التفرد فيه قيّد بشيء، كشخص معيّن أو بلد معيّن أو غير ذلك. ومن
صوره ما ذكره الناظم، ومن أمثلته ما يلي:
·
تفرد الثقة: حديث "أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر..."
(الموطأ) تفرد به مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك.
·
تفرد أهل بلد: أخرج أبو داود في سننه: حدثنا الحسن بن علي ثنا أبو عبد
الرحمن المقري قال ثنا سعيد بن أبي أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر عن
سالم بن أبي سالم الجيشاني عن أبيه عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب
لنفسي فلا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم"، قال أبو داود تفرد
به أهل مصر.
وأما حكم الفرد ففيه المقبول وفيه المردود، وقد لخّص أحواله النووي (في
شرحه على مسلم) فقال: "إذا انتفت المتابعات وتمحض فردا فله أربعة
أحوال: حال يكون مخالفا لرواية من هو أحفظ منه، فهذا ضعيف، ويسمّى شاذا
أو منكرا. وحال لا يكون مخالفا، ويكون هذا
الرّاوي حافظا ضابطا متقنا، فيكون صحيحا. وحال يكون قاصرا عن هذا،
ولكنه قريب من درجته، فيكون حديثه حسنا.
وحال يكون بعيدا عن حاله، فيكون شاذا منكرا
مردودا. فتحصل أن الفرد قسمان مقبول ومردود، والمقبول ضربان فرد
لا يخالف وراويه كامل الأهلية، وفرد هو قريب منه، والمردود أيضا ضربان
فرد مخالف للأحفظ، وفرد ليس في راويه من الحفظ والإتقان ما يجبر تفرده".
قال الناظم رحمه الله تعالى: (ومَا
بعِلَّةٍ غُمُوضٍ أوْ خَفَا... مُعَلَّلٌ عِنْدَهُمُ
قَدْ عُرِفَا)
الشرح:
قوله: (ومَا
بعِلَّةٍ غُمُوضٍ أوْ خَفَا... مُعَلَّلٌ عِنْدَهُمُ
قَدْ عُرِفَا)،
أي الحديث الذي تلبّس بعلّة غامضة أي مخفية في سنده أو متنه مع أنّ
الظاهر السلامة، فهو الحديث الذي يعرف عند أهل الفن بالمعلّل. وقد سبق
في حدّ الصحيح بيان العلّة وهي -كما يدلّ عليه قول الناظم- الأمر
الغامض الخفي الذي يقدح في صحة الحديث.
ونضيف فائدة: (4)
قال السيوطي: "قال البلقيني: أجل كتاب صنف في العلل كتاب ابن المديني
وابن أبي حاتم والخلال، وأجمعها كتاب الدارقطني، قلت: وقد صنف شيخ
الإِسلام فيه (الزهر المطلول في الخبر المعلول)، وقد قسم الحاكم في
علوم الحديث أجناسَ المعلل إلى عشرة؛ ونحن نلخصها هنا بأمثلتها:
أحدها،
أن يكون السند ظاهره الصحة وفيه من لا يعرف بالسماع ممن روى عنه،
كحديث موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن
النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "من
جلس مجلسا فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللّهم وبحمدك لا
إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك"،
فروي أن مسلما جاء إلى البخاري وسأله عنه فقال هذا حديث مليح، إلا
أنه معلول، حدثنا به موسى بن إسماعيل ثنا وهيب ثنا سهيل عن عون بن
عبد اللّه، قوله: وهذا أولى لأنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من
سهيل.
الثاني:
أن يكون الحديث مرسلا من وجه رواه الثقات الحفاظ ويسند من وجه ظاهره
الصحة. كحديث قبيصة بن عقبة عن سفيان عن خالد الحذاء، وعاصم عن أبي
قلابة عن أنس مرفوعا:"أرحم
أمتي أبو بكر وأشدهم في دين اللّه عمر"،
الحديث، قال: فلو صح إسناده لأخرج في الصحيح، إنما روى خالد الحذاء
عن أبي قلابة مرسلا.
الثالث:
أن يكون الحديث محفوظا عن صحابي ويروى عن غيره لاختلاف بلاد رواته،
كرواية المدنيين عن الكوفيين، كحديث موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن
أبي بردة عن أبيه مرفوعا: "إني
لأستغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم مائة مرة"،
قال هذا إسناد لا ينظر فيه حديثي إلا ظن أنه من شرط الصحيح.
والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا، وإنما الحديث محفوظ عن رواية
أبي بردة عن الأغر المزني.
الرابع:
أن يكون محفوظا عن صحابي فيروى عن تابعي يقع الوهم بالتصريح بما
يقتضي صحته، بل ولا يكون معروفا من جهته. كحديث زهير بن محمد عن
عثمان بن سليمان عن أبيه أنه
سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور،
قال: أخرج العسكري وغيره هذا الحديث في الوجدان، وهو معلول، أبو
عثمان لم يسمع من النبي صلى اللّه عليه وسلم ولا رآه، وعثمان إنما
رواه عن نافع عن جبير بن مطعم عن أبيه، وإنما هو عثمان بن أبي
سليمان.
الخامس:
أن يكون روي بالعنعنة وسقط منه رجل دل عليه طريق أخرى محفوظة كحديث
يونس عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن رجل من الأنصار
أنهم كانوا
مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذات ليلة فرمى بنجم فاستنار،
الحديث. قال: وعلته أن يونس مع جلالته قصر به، وإنما هو عن ابن عباس،
حدثني رجال، هكذا رواه ابن عيينة وشعيب وصالح والأوزاعي وغيرهم عن
الزهري.
السادس:
أن يختلف على رجل بالإِسناد وغيره ويكون المحفوظ عنه ما قابل
الإِسناد كحديث علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن عبد اللّه بن بريدة
عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال قلت يا رسول اللّه : "ما لك أفصحنا"
الحديث، قال: وعلته ما أسند عن علي بن خشرم حدثنا علي بن الحسين بن
واقد بلغني أن عمر، فذكره.
السابع:
الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله، كحديث الزهري عن سفيان
الثوري عن حجاج بن فرافصة، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي
هريرة مرفوعا: "المؤمن
غر كريم والفاجر خب لئيم"،
قال: وعلته ما أسند عن محمد بن كثير، حدثنا سفيان عن حجاج عن رجل عن
أبي سلمة فذكره.
الثامن:
أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه، لكنه لم يسمع منه أحاديث
معينة، فإذا رواها عنه بلا واسطة فعلتها أنه لم يسمعها منه، كحديث
يحيى بن أبي كثير عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أفطر
عند أهل بيت قال: "أفطر عندكم الصائمون" الحديث، قال: فيحيى رأى
أنسا، وظهر من غير وجه أنه لم يسع منه هذا الحديث، ثم أسند عن يحيى
قال: حدثت عن أنس فذكره.
التاسع:
أن تكون طريقه معروفة، يروي أحد رجالها حديثا من غير تلك الطريق فيقع
من رواه من تلك الطريق - بناء على الجادة - في الوهم – كحديث المنذر
بن عبد اللّه الحزامي عن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد اللّه بن
دينار عن ابن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا افتتح
الصلاة قال: "سبحانك
اللّهم"،
الحديث، قال: أخذ فيه المنذر طريق الجادة ، وإنما هو من حديث عبد
العزيز، ثنا عبد اللّه بن الفضل عن الأعرج عن عبيد اللّه بن أبي رافع
عن علي.
العاشر:
أن يروى الحديث مرفوعا من وجه وموقوفا من وجه، كحديث أبي فروة يزيد
بن محمد، ثنا أبي عن أبيه عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا
من ضحك في صلاته يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء،
قال: وعلته ما أسند وكيع عن الأعمش عن أبي سفيان قال: سئل جابر
فذكره.
قال الحاكم: وبقيت أجناس لم نذكرها وإنما جعلنا هذه مثالا لأحاديث
كثيرة..." انتهى
يتبع إن شاء الله تعالى...
21 جمادى الأولى 1428هـ
______________________
(1) ينظر (نزهة النظر)، لابن حجر، ص14-15
(2) ينظر (عقد الدرر)، لأبي المعالي الألوسي، ص174
(3) المصدر السابق، ص 169
(4) ينظر (تدريب الراوي)، للسيوطي، ج1 ص139-141 |