|
بسم الله الرحمن الرحيم
استخراج الجوهر المكنون من منظومة البيقوني (12)
الكاتب: ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
قال الناظم رحمه الله تعالى: (وذُو
اخْتِلاف سنَدٍ أو مَتْنِ... مُضْطربٌ عِنْدَ أهيلِ
الفَنِّ)
الشرح:
قوله: (وذُو
اخْتِلاف سنَدٍ أو مَتْنِ) أي الحديث الذي فيه اختلاف في السند
أو المتن (مُضْطربٌ)
أي يعرف بالمضطرب اصطلاحا، ويحتمل أنه مأخوذ من اضطرب القوم إذا اختلفت
كلمتهم أو من اضطرب بمعنى اختل
(عِنْدَ أهيلِ
الفَنِّ)
أي عند أهل هذا العلم، وتصغير أهل اقتضاه النظم.
واعلم، أن المضطرب هو "الذي
تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف
له"(1)، أو هو "الحديث الذي يروى من قبل راو أو رواة متعددين، على أوجه
مختلفة متساوية، لا يمكن الترجيح بينهما"(2).
فالحديث إذن يوصف بالمضطرب بشرط أن تتساوى الروايات حين اختلافها في
القوة بحيث لا يمكن الجمع بينها، أو لا يمكن التوفيق بينها، أو لا
يترجح منها شيء، فإن ترجح شيء فيعمل بالراجح ويكون محفوظا أو معروفا،
ويكون مقابله المرجوح شاذا أو منكرا.
والاضطراب موجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط،
ويقع في السند، وهو أكثر، كتعارض الوصل والإرسال وتعارض الانقطاع
والاتصال، ويقع في المتن كتعارض النفي والإثبات، ويقع فيهما معا. ومن
الأمثلة:
·
على
الاضطرابِ في السند: ما رواه الطبراني في الأوسط عن بقية أنا حبيب بن
عمر الأنصاري عن أبيه عن ابن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم القيامة نادى مناد ألا ليقم
خصماء الله ألا وهم القدرية". قال الدارقطني في العلل: "هو حديث
مضطرب الإسناد يرويه بقية بن الوليد عن حبيب بن عمر الأنصاري وهو مجهول
عن أبيه عن ابن عمر عن عمر وقيل أيضا عن أبيه عن رجل من الأنصار عن ابن
عمر عن عمر، ورواه المحاربي عن أبي سليمان التيمي وهو مجهول وقال ضرار
بن صرد عن المحاربي عن أبي سليمان التيمي ووهم ثم قالوا عن عمر بن حبيب
الأنصاري عن أبيه عن ابن عمر عن عمر، وقول من قال حبيب بن عمر أصح وهو
مجهول والحديث غير ثابت والله أعلم".
·
على الاضطرابِ في المتنِ: ما رواه الترمذي
عن شريك عن أبي حزمة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس قالت: سألت أو سأل
النبي صلى الله عليه وسلم عن الزكاة فقال: "إن في المال لحقا سوى
الزكاة". ولكن رواه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: "ليس في المال حقّ
سوى الزكاة". قال العراقي: "فهذا اضطراب لا يحتمل التأويل".
قال الناظم رحمه الله تعالى: (والُمدْرَجاتُ
في الحديثِ ما أتَتْ... مِنْ بَعْضِ ألفاظِ
الرُّوَاةِ اتَّصَلَتْ)
الشرح:
قوله: (والُمدْرَجاتُ
في الحديثِ):
جمع مدرج من الإدراج وهو لغة الإدخال. (ما أتَتْ... مِنْ بَعْضِ
ألفاظِ
الرُّوَاةِ):
أي ما أدخل من ألفاظ بعض الرواة في الحديث، سواء أكان الراوي صحابيا
أو غيره. (اتّصلت):
أي بشرط أن يوصل الراوي ما أدخله بالحديث دون أن يبيّن أنه ليس منه،
فإن فصل وبيّن، انتفى الإدراج.
وعليه، فالإدراج هو "إدخال الراوي على الأصل المروي ما ليس منه،
ووصله به سواء أكان الوصل في آخر المروي أو في أوله أو في أثنائه،
دون أن يفصل بما يدل على القائل بحيث يلتبس على من لم يعرف الحال
فيتوهم أن الجميع من ذلك الأصل المروي، وبعبارة أخرى: ما كانت فيه
زيادة ليست منه".(3)
وينقسم المدرج إلى قسمين: مدرج الإسناد ومدرج المتن.
1. مدرج الإسناد: وهو أقسام ثلاثة:
·
الأول:
أن يكون الراوي سمع الحديث بأسانيد مختلفة فبرويه عنه راو آخر فيجمع
الكل على إسناد واحد من غير أن يبين الخلاف. ومثاله: "حديث الترمذي
عن بندار عن ابن مهدي عن سفيان الثوري عن واصل ومنصور والأعمش عن أبي
وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله قال: قلت يا رسول الله أي الذنب
أعظم. الحديث. فرواية واصل هذه مدرجة على رواية منصور والأعمش؛ لأن
واصلا لا يذكر فيه عمرا بل يجعله عن أبي وائل عن عبد الله، هكذا رواه
شعبة ومهدي بن ميمون ومالك بن مغول وسعيد بن مسروق عن واصل، كما ذكره
الخطيب، وقد بين الإسنادين معا يحيى بن سعيد القطان في روايته عن
سفيان وفصل أحدهما من الآخر، رواه البخاري في صحيحه عن عمرو بن علي
عن يحيى بن سفيان عن منصور والأعمش كلامهما عن أبي وائل عن عمرو عن
عبد الله وعن سفيان عن واصل عن أبي وائل عن عبد الله من غير ذكر
عمرو، قال عمرو بن علي فذكرته لعبد الرحمن وكان حدثنا عن سفيان عن
الأعمش ومنصور وواصل عن أبي وائل عن عمرو فقال: دعه. قال العراقي:
لكن رواه النسائي عن بندار عن ابن مهدي عن سفيان عن واصل وحده عن أبي
وائل عن عمرو، فزاد في السند عمرا من غير ذكر أحد، وكأن ابن مهدي لما
حدث به عن سفيان عن منصور والأعمش وواصل بإسناد واحد ظن الرواة عن
ابن مهدي اتفاق طرقهم فاقتصر على أحد شيوخ سفيان".
·
الثاني:
أن يكون الحديث عند راو بإسناد وعنده حديث آخر بإسناد غيره فيأتي أحد
الرواة ويروي عنه أحد الحديثين بإسناده ويدخل فيه الحديث الآخر أو
بعضه من غير بيان. ومثاله: "حديث رواه سعيد بن أبي مريم عن مالك عن
الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تباغضوا
ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تنافسوا، الحديث، فقوله ولا
تنافسوا مدرج أدرجه ابن أبي مريم من حديث آخر لمالك عن أبي
الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:
إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا
تحاسدوا، وكلا الحديثين متفق عليه من طريق مالك وليس في الأول
ولا تنافسوا وهي في الثاني وهكذا الحديثان عند رواة الموطأ".
·
الثالث:
أن يحدث الشيخ فيسوق الإسناد ثم يعرض له عارض فيقول كلاما من عنده،
فيحسبه من سمعه من متن ذلك الإسناد فيرويه عنه كذلك. ومثاله: "ما وقع
لثابت بن موسى الزاهد في حديث من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه
بالنهار انتهى. هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في سننه عن إسماعيل بن
محمد الطلحى عن ثابت ابن موسى الزاهد عن شريك عن الأعمش عن أبى سفيان
عن جابر مرفوعا من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار والغلط
الذي أشار إليه المصنف هو ما ذكره الحاكم قال: دخل ثابت بن موسى على
شريك بن عبد الله القاضي والمستملي بين يديه وشريك يقول حدثنا الأعمش
عن أبى سفيان عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر
المتن فلما نظر إلى ثابت بن موسى قال (من كثرت صلاته بالليل حسن
وجهه بالنهار) وإنما أراد ثابتا لزهده وورعه فظن ثابت أنه روى
هذا الحديث مرفوعا بهذا الإسناد، فكان ثابت يتحدث به عن شريك. وقال
أبو حاتم بن حبان في تاريخ الضعفاء: هذا قول شريك قاله عقيب حديث
الأعمش عن أبى سفيان عن جابر يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم
فأدرجه ثابت في الخبر وسرقه منه جماعة ضعفاء وحدثوا به عن شريك".
2. مدرج المتن: وهو أن يدخل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
شيء من كلام بعض الرواة، وقد يكون في أول الحديث أو في وسطه أو في
آخره، فيظن من سمعه أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ومثاله:
·
المدرج في أول الحديث:
ما رواه الخطيب من رواية أبي قطن وشبابة فرقهما عن شعبة عن محمد بن
زياد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسبغوا
الوضوء ويل للأعقاب من النار. فقوله أسبغوا الوضوء من قول
أبي هريرة وصل بالحديث في أوله، كذلك رواه البخاري في صحيحه عن آدم
بن أبي إياس عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال أسبغوا
الوضوء فإن أبا القاسم قال ويل للأعقاب من النار. قال
الخطيب وهم أبو قطن عمرو بن الهيثم وشبابة بن سوار في روايتهما هذا
الحديث عن شعبة على ما سقناه وذلك أن قوله أسبغوا الوضوء كلام أبي
هريرة وقوله ويل للأعقاب من النار كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
·
المدرج في وسط الحديث: ما رواه الدارقطني في سننه من رواية عبد
الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان قالت سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه
فليتوضأ.
قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد عن هشام ووهم في ذكر الأنثيين
والرفغين وإدراجه ذلك في حديث بسرة. قال: والمحفوظ أن ذلك من قول
عروة غير مرفوع وكذلك رواه الثقات عن هشام منهم أيوب السختياني وحماد
بن زيد وغيرهما.
·
المدرج في آخر الحديث: ما رواه أبو داود عن أبي خيثمة زهير بن معاوية
عن الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة عن علقمة عن عبد الله بن مسعود
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه التشهد في الصلاة فقال: قل
التحيات لله فذكر التشهد وفي آخره أشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أن محمدا رسول الله فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن
تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد. هكذا رواه أبو خيثمة عن الحسن
بن الحر فأدرج في الحديث قوله فإذا قلت هذا إلى آخره وإنما
هذا من كلام ابن مسعود لا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا ويعرف الإدراج بوروده منفصلا في رواية أخرى، أو بتصريح الراوي
به، أو بتبيان العلماء له، أو باستحالة كونه من كلام النبي صلى الله
عليه وسلم.
واعلم أن حكمه المنع لتضمنه نسبة القول لغير قائله، فإن أدرج الراوي
كلاما لتفسير غريب
أو شيء من معنى الحديث
يتسامح فيه، والأولى بيانه.
وأما ما كان عن عمد، فإنه حرام لما فيه من التلبيس والتدليس، ولذا
قال السمعاني: "من تعمد الإدراج فهو ساقط العدالة، وممن يحرف الكلم
عن مواضعه، هو ملحق بالكذابين".(4)
يتبع إن شاء الله تعالى...
04 جمادى الثانية 1428هـ
______________________
(1) ينظر (الشذا الفياح)، لبرهان الدين الأبناسي، ج1 ص212
(2) ينظر (دراسات في علوم الحديث)، للدكتورة رجاء حزين، ج2 ص81
(3) المصدر السابق، ج2 ص 72
(4) ينظر (الباعث الحثيث)، لأحمد شاكر، ص83 |