بسم الله الرحمن الرحيم

استخراج الجوهر المكنون من منظومة البيقوني (13)

 

الكاتب: ياسين بن علي

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

 

قال الناظم رحمه الله تعالى: (ومَا رَوى كلّ قَرِينٍ عنْ أخهْ... ‏‏مُدَبَّجٌ‏‏ فَاعْرِفْهُ حَقًّا وانْتَخِهْ)

 

الشرح:

(ومَا رَوى كلّ قَرِينٍ عنْ أخهْ... ‏‏مُدَبَّجٌ) أي الحديث الذي يرويه القرين عن قرينه يعرف بالمدبّج وهو لغة المزيّن وسمي كذلك لحسنه، (‏‏ فَاعْرِفْهُ حَقًّا وانْتَخِهْ) أي اعلمه جيدا وافتخر به لأهميته، أو وميّزه وعظّمه لأهميته وهي رفع ظنّ الزيادة في السند.

والأقران هم "من استووا أي تماثلوا أو تقاربوا في السند يعني الأخذ عن الشيوخ، وكذا في السن لكن غالبا لأنهم ربما يكتفون كالحاكم بالتفاوت في الإسناد، وإن تفاوتت الأسنان".(1)

فالمدبّج إذن هو رواية الأقران سنا وسندا كل منهم عن الآخر، فإن روى أحدهم عن الآخر ولم يرو الآخر عنه فلا يسمى مدبّجا. وخرج منه أيضا ما إذا روى الراوي الكبير القدر أو السنّ عمّن دونه قدرا أو سنا، فهذه رواية الأكابر عن الأصاغر.

ومثاله: "في الصحابة: أبو هريرة وعائشة، روى كل منهما عن الآخر. وفي التابعين: الزهري وأبو الزبير كذلك، وفي أتباعهم مالك والأوزاعي كذلك، وفي أتباع الأتباع أحمد وابن المديني كذلك، مع نزاع في كونهما قرينين... وقد يجتمع جماعة من الأقران في سلسلة كرواية أحمد عن أبي خيثمة زهير ابن حرب، عن ابن معين، عن علي بن المديني، عن عبيد الله بن معاذ لحديث أبي بكر ابن حفص، عن أبي سلمة عن عائشة: (كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يأخذن من شعورهنّ حتى تكون كالوفرة) [رواه مسلم] فالخمسة كما قال الخطيب أقران. ورواية ابن المسيب عن ابن عمر، عن عمر، عن عثمان، عن أبي بكر الحديث: (ما نجاة هذا الأمر) [رواه أحمد] ففيه أربعة من الصحابة في نسق، وكذا اجتمع أربعة من الصحابة في عدة أحاديث بعضها في الصحيحين وغيرهما".(2) 

 

قال الناظم رحمه الله تعالى: (مُتَّفِقٌ لَفْظاً وخطاً ‏‏مُتَّفقْ‏‏... وضِدُّهُ فيما ذَكَرْنَا ‏المُفْتِرقْ‏)

                           

الشرح:‏

(مُتَّفِقٌ لَفْظاً وخطاً ‏‏مُتَّفقْ) أي الحديث الذي اتفقت في سنده أسماء الرواة في اللفظ والخط يسمى المتّفق، (وضِدُّهُ فيما ذَكَرْنَا) أي والاتفاق في اللفظ والخط دون المسمى فهو المعروف ب(المُفْتِرقْ). وظاهر كلام المؤلف يوهم أنهما قسمان وحقيقتهما أنهما قسم واحد، وحاصله أنّ الاتفاق في أسماء الرواة يكون بحسب اللفظ والخط، والافتراق بحسب المسمى. فإذا "اتفق الاسم واسم الأب فصاعدا، أو الاسم واسم الأب والنسبة، أو النسبة فقط خطا ونطقا، سواء كان الاسم كنية أو غيرها، واختلف الشخص سواء كان المسمى اثنين أو أكثر، فهو المتفق والمفترق".(3)

وفائدة هذا القسم رفع ظنّ الاثنين واحدا، والتمييز بين الثقة والضعيف. ومن أمثلته:

أحمد بن جعفر بن حمدان: أربعة كلهم في عصر واحد:

·     أحدهم القطيعي البغدادي أبو بكر الراوي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل

·     الثاني السقطي البصري أبو بكر يروي أيضا عن عبد الله بن أحمد ولكنه عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدورقي

·     والثالث دينوري روى عن عبد الله بن محمد بن سنان عن محمد بن كثير صاحب سفيان الثوري

·              والرابع طرسوسي روى عن عبد الله بن جابر الطرسوسي تاريخ محمد ابن عيسى الطباع

ومحمد بن عبد الله الأنصاري اثنان متقاربان في الطبقة:

·     أحدهما هو الأنصاري المشهور القاضي أبو عبد الله الذي روى عنه البخاري والناس

·              والثاني كنيته أبو سلمة ضعيف الحديث

 

قال الناظم رحمه الله تعالى: (‏‏مُؤْتَلِفٌ‏‏ مُتَّفِقُ الخطِّ فَقَطْ... وضِدُّهُ ‏‏مُختَلِفٌ‏‏ فَاخْشَ الغَلَطْ)

 

الشرح:

(مُؤْتَلِفٌ‏‏ مُتَّفِقُ الخطِّ فَقَطْ) أي الحديث الذي يتفق اسم الرواة فيه في الخط دون اللفظ فيسمى المؤتلف، (وضِدُّهُ ‏‏مُختَلِفٌ‏‏ فَاخْشَ الغَلَطْ) أي ويقابله الحديث المسمى بالمختلف وهو ما اختلفت أسماء الرواة فيه نطقا. فإذا اتفقت الأسماء خطا واختلفت نطقا: فهو المؤتلف والمختلف. وفائدة هذا القسم الاحتراز من الوقوع في التصحيف لذلك نبّه إليه الناظم وحذر من الوقوع في الغلط من جراء عدم التمييز. قال ابن الصلاح: " هو فنّ جليل يقبح جهله بأهل العلم، لا سيّما أهل الحديث، ومن لم يعرفه يكثر خطؤه".

ومن أمثلته: "سلام وسلاّم"، و"عُمارة وعِمارة"، و"عباس وعياس وعتاس وعناس"، و"غنّام وعثّام"، و"رباح ورياح"، و"جمال وحمال"، و"الخيّاط والحنّاط والخبّاط" و"الهمداني والهمذاني" وما أشبه ذلك وهو كثير.   

 

يتبع إن شاء الله تعالى...

13 جمادى الثانية 1428هـ

______________________

(1) ينظر (فتح المغيث)، للسخاوي، ج3 ص139

(2) المرجع السابق، ج3 ص140-141

(3) ينظر (قفو الأثر)، لابن الحنبلي، ج1 ص 111

 

ÑÊÈ: ÇáßÓÇ ÇáÚÑÈí