بسم الله الرحمن الرحيم

استخراج الجوهر المكنون من منظومة البيقوني (14)

 

الكاتب: ياسين بن علي

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

 

 

قال الناظم رحمه الله تعالى: (‏‏والُمنْكَرُ‏‏ الفَردُ بهِ رَاوٍ غَدَا... تَعْدِيلُهُ لا يْحمِلُ التَّفَرُّدَا)

 

الشرح:

(والُمنْكَرُ) وهو لغة اسم مفعول من الإنكار ضد الإقرار، واصطلاحا: (الفَردُ بهِ رَاوٍ غَدَا... تَعْدِيلُهُ لا يْحمِلُ التَّفَرُّدَا) أي الذي انفرد بروايته من لا يحتمل التفرد وهو من لا يبلغ من العدالة والضبط مبلغ من يقبل تفرده برواية. والمعنى أن المنكر عند الناظم هو "ما تفرد به واحد غير متقن ولا مشهور بالحفظ". وهذا التعريف ذهب إليه جمع من أهل العلم، حيث اعتبروا المنكر ما انفرد به الراوي الذي ليس بعدل ولا ضابط وإن لم يخالف غيره في روايته، إلا أن الحافظ ابن حجر قيد تفرد الضعيف هنا بالمخالفة، وعلى هذا فإن المنكر هو: "ما رواه الضعيف مخالفا لما رواه الثقة"، أو "ما رواه الضعيف مخالفا لمن دونه في الضعف"، ويقابله المعروف وهو "ما رواه الضعيف مخالفا لمن فوقه في الضعف" (1).

 

وقد يشتبه المنكر بالشاذ، لذلك وجب بيان الفرق بما يلي (2):

إن خولف الراوي المقبول بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو مرجح سواهما سمي ما رواه الأرجح بالمحفوظ والآخر بالشاذ:

·     فالشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أرجح منه

·     والمحفوظ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أدنى منه رجحانا

وإن خولف الضعيف لكونه مجهول الحال أو سيء الحفظ مثلا بأخف منه ضعفا سمي ما رواه الأخف ضعفا بالمعروف والآخر بالمنكر:

·     فالمنكر ما رواه الضعيف مخالفا لمن هو أدنى منه ضعفا

·     والمعروف ما رواه الضعيف مخالفا لمن هو أعلى منه ضعفا.

 

ومن أمثلة المنكر:

·     حسب التعريف الأول: ما رواه محمد بن عمر بن الرومي قال: حدثنا شريك عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن الصنابحي عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا دار الحكمة وعلي بابها ". فهذا تفرد به ابن الرومي وهو لين الحديث، عن شريك وهو ضعيف. وقال الترمذي : "هذا حديث غريب منكر"، وقال ابن حبان: " هذا خبر لا أصل له عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شريك حدث به، ولا سلمة بن كهيل رواه، ولا الصنابحي أسنده".

·     حسب التعريف الثاني: ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن حبيب، وهو أخو حمزة بن حبيب الزيات المقرئ، عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج البيت وصام وقرى الضيف دخل الجنة". قال أبو حاتم: هو منكر؛ لأن غير حبيب من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا وهو المعروف.

 

قال الناظم رحمه الله تعالى: (‏‏‏مَتُروكُهُ‏ مَا وَاحِدٌ بهِ انفَردْ... وأجَمعُوا لضَعْفِه فَهُوَ كَرَدّ)

(‏‏‏مَتُروكُهُ) أي الحديث المتروك، وهو لغة اسم مفعول من الترك، واصطلاحا: (مَا وَاحِدٌ بهِ انفَردْ... وأجَمعُوا لضَعْفِه) أي ما انفرد بروايته واحد أجمع أهل العلم على تضعيفه، وحكمه (كَرَدّ) أي مردود. وعليه، فالمتروك عند الناظم هو الحديث الذي رواه ضعيف أجمع العلماء على ضعفه. وقيل في تعريفه أنه ما يكون بسبب تهمة الراوي بالكذب، فهو إذن "الحديث الذي في إسناده راو متهم بالكذب"، ويدخل فيه من عرف بالكذب في غير الحديث وإن لم يظهر كذبه في الحديث؛ وذلك لأن التساهل في غير الحديث قد يجر إلى التساهل في الحديث.

والمتروك، ويقال أحيانا المطروح، من شر الضعيف بعد الموضوع. ومثاله:

أخرج الدارقطني عن عتبة بن السكن الحمصي ثنا الأوزاعي عن عبادة بن نسي وهبيرة بن عبد الرحمن قالا: ثنا أبو أسماء الرحبي ثنا ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فدعا بوضوء فتوضأ فقلت: يا رسول الله أفريضة الوضوء من القيء ؟ قال: "لو كان فريضة لوجدته في القرآن". قال الدارقطني: لم يروه عن الأوزاعي غير عتبة بن السكن وهو متروك الحديث.

 

 

يتبع إن شاء الله تعالى...

18 جمادى الثانية 1428هـ

______________________

(1) ينظر (عقد الدرر)، لأبي المعالي الألوسي، ص215

(2) ينظر (قفو الأثر)، لابن الحنبلي، ج1 ص 62

 

ÑÊÈ: ÇáßÓÇ ÇáÚÑÈí