بسم الله الرحمن الرحيم

استخراج الجوهر المكنون من منظومة البيقوني (15)

(الحلقة الأخيرة)

 

الكاتب: ياسين بن علي

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

 

 

قال الناظم رحمه الله تعالى: (‏‏والكذِبُ الُمخْتَلَقُ المصنُوعُ... علَى النَّبيِّ فذَلِكَ ‏الموْضُوعُ)

 

الشرح:

قوله (والكذِبُ) أي الحديث المكذوب به على النبي صلى الله عليه وسلم، (الُمخْتَلَقُ) أي المفترى عليه عمدا، (المصنُوعُ) أي المختلق المفترى لتأكيد ما قبله، (فذَلِكَ ‏الموْضُوعُ) أي يعرف بمصطلح الموضوع، وهو اسم مفعول من وضع الشيء إذا حطه وأسقطه وسمي كذلك لانحطاط رتبته، أو هو من الوضع بمعنى الاختلاق، يقال: وضع الرجل الحديث: افتراه وكذبه واختلقه.

وعليه، فالحديث الموضوع هو "الكذب المختلق المصنوع المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم"(1)، أو هو "ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم اختلاقا وكذبا مما لم يقله أو يفعله أو يقره"(2).

والموضوع شر الحديث الضعيف وأقبحه أنواعه، وقد أجمع العلماء على حرمة روايته مع العلم بوصفه، سواء أكان في الأحكام أو في الترغيب والترهيب أو في غير ذلك، وقالوا: لا تحل روايته إلا ببيان حاله، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (رواه مسلم في مقدمة الصحيح وابن ماجه في السنن).

وأما أسباب الوضع في الحديث فكثيرة، منها:

1. الطعن في الإسلام: وهذا من عمل الزنادقة بقصد تشويه العقائد الإسلامية وتشكيك الناس في دينهم. قال حماد بن زيد : "وضعت الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألف حديث". وعن جعفر بن سليمان قال سمعت المهدي يقول: "أقر عندي رجل من الزنادقة أنه وضع أربعمائة حديث فهي تجول في أيدي الناس"(3).

ومن هؤلاء الزنادقة محمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة، فروى عن حميد عن أنس مرفوعا "أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله" وضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة والدعوة إلى التنبي.

2. التقرب إلى الله والترغيب في العمل الصالح: وهذا من عمل بعض من ينتسب على الزهد والصلاح، وهو شر الوضاعين لأن الناس تنخدع بهم وتقبل موضوعاتهم ثقة بهم. ومن الأمثة على هذا الأحاديث الموضوعة في فضائل السور: قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة ، وليس عند أصحاب عكرمة هذا ؟ فقال : "إني قد رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة".

3. الانتصار للمذهب: وهذا من عمل بعض المذاهب والفرق بعد ظهور الفتنة، كالأحاديث الموضوعة في فضائل علي رضي الله عنه. وكان عامر الشعبي يقول: "ما كذب على أحد من هذه الأمة ما كذب على علي بن أبي طالب".

4. التقرب إلى الحكام: وهذا من عمل علماء السلاطين ومن يتقرب إلى الملوك طمعا رهبة ورغبة. ومن ذلك أن غياث بن إبراهيم دخل على المهدي، وكان يعجبه الحمام الطيارة، فروى حديثا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل أو جناح فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قام وخرج قال: "أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جناح"، ولكن هذا أراد أن يتقرب إلينا، يا غلام ، اذبح الحمام.

 

وقد وضع العلماء قواعد يعرف بها الموضوع من غيره، منها:

1. ما تعلق بالسند: كإقرار الواضع بالوضع، أو اشتهار الراوي بالكذب، أو وجود قرائن ترجح الوضع كرواية مبتدع داعية لبدعته.

2. ما تعلق بالمتن: كالركاكة في اللفظ والمعنى، أو مناقضة القطعي، أو مخالفة الحقائق التاريخية الثابتة.

 

أمثلة لأحاديث موضوعة: (4)

·     "من أفرد الإقامة فليس منا": رواه الجوزقاني عن ابن عباس مرفوعا، وهو موضوع.

·     "لولاك لما خلقت الأفلاك": قال الصغاني موضوع.

·     "إن أخي ووزيري وخليفتي من أهلي، وخير من أترك بعدي يقضي ديني وينجز موعدي: علي": قال ابن الجوزي والذهبي: إنه موضوع.

·     "الأمناء عند الله ثلاثة: أنا وجبريل ومعاوية": قال النسائي وابن حبان والخطيب: إنه باطل والواضع له علي بن عبد الله ابن الفرح البرداني.

 

قال الناظم رحمه الله تعالى: (وقَدْ أتَتْ كالَجوْهَرِ المكْنُونِ... سَمَّيْتُهَا‏:‏ مَنْظُومَةَ البَيْقُوني)

                            (فَوْقَ الثَّلاثين بأرْبَعٍ أتَتْ... أقسامها تمّت بخيٍر خُتِمَتْ)

 

وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية شرح هذه المنظومة النافعة المتعلقة بمصطلح الحديث. نسأل الله تعالى أن يجازي عنا ناظمها خير الجزاء، وأن يدرجنا وناظمها تحت لواء أهل السنة، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين.

 

22 جمادى الثانية 1428هـ

______________________

(1) ينظر (تيسير مصطلح الحديث)، للدكتور محمود الطحان، ص89

(2) ينظر (أصول الحديث)، للدكتور محمد عجاج الخطيب، ص415

(3) ينظر (الكفاية)، للخطيب البغدادي، ج1 ص 430

(4) ينظر (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة)، للشوكاني.

 

ÑÊÈ: ÇáßÓÇ ÇáÚÑÈí