بسم الله الرّحمن الرّحيم

منهج ابن حبان في قبول الرواية ومقارنتة برأي الأئمة (2)

 

الكاتب: د. ماجد محمد عبده الدلالعة

4. ابن حبان وقبول المتواتر

لقد بينت في مقدمة هذا المبحث أنّ ابن حبان كغيره من المتقدمين لم يخض في هذا الموضوع أصلاً، وهو التفريق بين أحاديث الآحاد والأحاديث المتواترة، لأنّه كما هو منهج المتقدمين يرى أنّ الكلّ سنة توجب العمل، وإنّما ظهر التفريق بين هذه الأنواع بعد الخطيب البغدادي، وتبعه المتأخرون في ذلك.

وفي ضوء هذا لابدّ من عرض رأي ابن حبان إن وجد في الحديث المتواتر, وفهم كلامه على ضوء ما عرضت من قواعد في مقدمة صحيحه، ولكن من خلال تتبعي لمقدمة صحيح ابن حبان وحتى لصحيحه كاملا لم أجده تكلم ولو بشيء يسير عن هذا الموضوع، وحتى أثناء تعقيبه على الأحاديث لم يذكر هذه اللفظة في حدود علمي، ولذلك يبدو لي أنّه كان كما هو شأن المتقدمين من أشياخه لم يكن يفرق بين الأحاديث على هذا الأساس, بل على أساس القبول والردّ, ولأنّه لم يتداول عندهم بهذه الكيفية، والأمر الأهمّ عندهم هو التزام السنة فقط، ولهذا فإن دعوى أنّ حبان ينفي وجود الحديث المتواتر دعوى تحتاج إلى دليل.

  لقد أجاد حاتم العوني في دفاعه عن قول ابن حبان بأنّ الأحاديث كلها آحاد, حيث فسر وجهة نظره تفسيراً جيدا, ودحض القول المزعوم أنّ ابن حبان ينفي غير الآحاد، إلاّ أنّه أراد في نهاية كلامه عن هذه المشكلة أن يثبت أنّه ينفي وجود الحديث المتواتر من السنة, فيبدو أنّه من خلال إثباته وتبنيه لوجهة نظر ابن حبان في إثبات كلامه أراد بهذا تأييد مسألة أخرى خطيرة، ألا وهي إثبات أنّه ينفي وجود المتواتر من الأحاديث، وهذا اتهام خطير إذا كان يقصده الأستاذ حاتم؛ لأنّ نفي المتواتر من السنة أمر خطير, سواء ممن قاله, أو ممن ادعى على الآخرين قوله؛ لأنّ في نفيه أمر عظيم تترتب عليه نتائج عظيمة؟.

يقول حاتم العوني: "ثم إنّ خبر الآحاد ليس يقابله إلاّ "المتواتر"، ولا شيء سواه. فمن أثبت وجود خبر الآحاد، قائلاً: "الأخبار كلها أخبار آحاد... لعدم وجود السنن إلاّ من رواية الآحاد"، نافياً بذلك ما يقابل خبر الآحاد، فماذا نفى إذن، إن لم يكن ينفي وجود المتواتر .(1)

لكنّ حاتم العوني نفسه أثبت عكس كلامه هذا في مقدمة كلامه وشرحه لكلام ابن  حبان السابق, واتهم أنّ من فهم من كلام ابن حبان أنّه ينفي وجود غير الآحاد فهو جاهل, ولكنه عاد هنا وذكر أنّ تخصيص ابن حبان بذكر الآحاد ينفي غيره. فلماذا أثبت العزيز ونفى المتواتر في فهمه ودفاعه عن ابن حبان؟!

ثم يتابع حاتم العوني كلامه موضحا ومؤيدا ما ذهب إليه من تأييده لتهمة أن ابن حبان ينفي وجود المتواتر: "فابن حبان بناءً على ما سبق لا يرى في الأحاديث النبوية خبراً متواتراً، فهو ينفي وجود مقابل الآحاد، لأنّ "الأخبار كلها أخبار آحاد " فالذي نفى ابن حبان وجوده هو المتواتر، وليس شيئاً سواه، وهذه النتيجة أيضاً مستفادة بيقين، والشك لا يرد اليقين، واليقين لا يعارضه يقين أبداً، فهذه النتيجة إذن شدّ عليها بيديك، ولا تتهاوى في يقينك بها أيضاً". (2)

ثم قال: "وخلاصة ما سبق: أن ابن حبان يقول: إنّ الأحاديث النبوية كلها أخبار آحاد، ولا يوجد حديث اجتمعت فيه شروط المتواتر أبداً. ولذلك رأى ابن حبان أن من ترك الاحتجاج بخبر الآحاد، يعني مع الزعم بالاحتجاج بالمتواتر دون غيره، أنّه في الحقيقة لا يحتجّ بشيء من السنن، لأنّ السنّة لم تأتنا إلاّ من رواية الآحاد... كذا يقول ابن حبان. هذا هو معنى كلام ابن حبان، ولا أحسب الأمر بعد هذا التفصيل في حاجة إلى مزيد تأكيد، أنّه هو معنى كلامه".(3)

أقول مناقشاً الشريف حاتم العوني: هل كان ابن حبان ممن يرى التفريق بين الأحاديث على أساس الآحاد والمتواتر؟ فإن كان هذا من منهجه ومنهج شيوخه فحقّ لك أن تلزمه بما ألزمته من نفيه للحديث المتواتر، وإن كان غير ذلك فإلزامك له متهاوٍ, لا دليل على ذلك, فيسقط ما ألزمته به.

ولهذا فابن حبان لم يكن يدور في خلده أن يقسم هذا التقسيم لأنّه اشتهر بعده، ولم يدر في خلده نفي الحديث المتواتر عندما كتب عن الآحاد في مقدمته، فلماذا نلزمه بأمر لم يكن مشهورا عنده, ولا عند من هم في عصره من أئمة النقد؟ وشيوخه من المتقدمين لم يعرفوا هذا التقسيم للسنّة, بلّ كان مراده التطبيق لا التقسيم، ولا ننكر أنّهم أئمة في الحديث, فقد كانوا يعرفون هذه الأنواع, ولكن المهم عندهم هو التطبيق لما ثبت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لا تقسيم السنة إلى آحاد ومتواتر.

ثم أسأل حاتم العوني، من أين جاء واستدل على كلامه الذي فهمه من قول ابن حبان؟ ولم أعلم أنّ أحداً قال به حسب علمي وإن قالوا فما الدليل على ذلك؟ وإن قال ابن حبان بنفي المتواتر فهو لا ينفي حديثا بعينه سواء أكان متواتر أم آحاداً أم غيره بل هو ينفي النوع لا الحديث بعينه، وليس معرض كلامه هنا عن تقسيم الأحاديث, بل كما قلت كلامه هنا للرد على المعتزلة كما قرر هو في بحثه. وأقول أيضاً بناء على فهمي لكلام ابن حبان الذي يقول فيه: لأنّه ليس يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر من رواية عدلين روى أحدهما عن عدلين, وكلّ واحد منهما عن عدلين...

قال السخاوي: "فإذا نفى ابن حبان ذلك فما يفهم من كلامه أنّه ينفي الأقلّ أو الأكثر، هذا يحتاج إلى دليل ولا يقوم على الفلسفة العقلية لكلام ابن حبان.(4)  وإن كان الحازمي وملا علي القاري في "شرح نخبة الفكر"، والمناوي (ت 1031 هـ) في "اليواقيت والدرر"،(5) وغيرهم قد وافقوا ابن حبان في نفي الحديث المتواتر كما قال حاتم العوني، إلاّ أنّه كما بينت سابقا لم يثبت أنّ ابن حبان ينفي وجود الحديث المتواتر، فإن وافقه غيره على ذلك فلا يعني أنّه إن قال بذلك كان مصيبا، وإن لم يثبت عنه ذلك فما فائدة أن يؤيده هؤلاء العلماء؟.

ثم يقول السيوطي: "على أن شيخنا ـ الأثري ـ قد نازع ابن الصلاح فيما أشعر به كلامه من عزة وجود مثال للمتواتر, فضلا عن دعوى غيره العدم يعني كابن حبان والحازمي, وقرر أنّ ذلك من قائله نشأ عن قلة اطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال ومصنفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطئوا على كذب أو يحصل منهم اتفاقا...".(6)

أقول: إنّ ابن حبان ومن قبله الأئمة المتقدمين لم يصنفوا هذا التصنيف الذي شاع عند المتأخرين من المحدثين، وإنّ هذا التقسيم كان بعد ابن الصلاح ومن جاء بعده، وقد قال الأثري: إنّ ابن حبان والحازمي قد ادعيا عدم وجود هذا النوع عندهما، وقال: إنّ هذا الرأي منهم غير مقبول بسبب قلة إطلاعهما على كثرة الطرق وأحوال الرجال ومصنفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطؤوا على كذب, أو يحصل منهم اتفاقا... إلى آخر كلامه.

فابن حبان لا يسلّم بأنّه قليل الاطلاع على الرجال ومصنفاتهم, وهو صاحب سبر كبير لمعظم الرواة, فلا تكاد تجد كتاب حديث إلاّ ولابن حبان رأي في معظم رجاله, والأمثلة شاهدة في معظم كتب السنن وغيرها، وقد وضحت سابقاً أن ابن حبان كان له رأي في معظم رجال الحديث فيمن سبقه, ولا يخفى أنّه اعتُمِد على رأيه في الرجال في غالب الكتب المصنفة، ولذا لا يسلم للأثري ما ذهب إليه في دعوى أنّ ابن حبان والحازمي قليلي الخبرة بالرجال، ولا دليل عنده على أنّه ينكر الحديث المتواتر، ويردّ عليه بما رددت على غيره في هذا المقام, والله أعلم بالصواب.

 

ثالثاً: المرفوع والموقوف عند ابن حبان

1.  رأي ابن حبان في الحديث الموقوف والمرفوع

يقول ابن حبان: "وأما قبول الرفع في الأخبار، فإنّا نقبل ذلك عن كلّ شيخ اجتمع فيه الخصال الخمس التي ذكرتها، فإن أرسل عدل خبرا وأسنده عدل آخر قبلنا خبر من أسند, لأنّه أتى بزيادة حفظها ما لم يحفظ غيره ممن هو مثله في الإتقان, فإن أرسله عدلان وأسنده عدلان قبلت رواية العدلين اللذين أسنداه على الشرط الأول, وهكذا الحكم فيه, كثر العدد فيه أو قل، فإن أرسله خمسة من العدول وأسنده عدلان نظرت حينئذ إلى من فوقه بالاعتبار وحكمت لمن يجب. كأنّا جئنا إلى خبر رواه نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم , اتفق مالك وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد وعبد الله بن عون وأيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر ورفعوه، وأرسله أيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية وهؤلاء كلهم ثقات أو أسند هذان وأرسل أولئك اعتبرت فوق نافع, هل روى هذا الخبر عن ابن عمر أحد من الثقات غير نافع مرفوعا أو من فوقه على حسب ما وصفنا؟ فإذا وجد قبلنا خبر من أتى بالزيادة في روايته على حسب ما وصفنا ".(7)

يعرض ابن حبان رأيه في موضوع الرفع والوقف، فهو يقبل الرفع في الأخبار عن كل شيخ اجتمعت فيه الخصال والشروط الخمس(8) التي ذكرها في مقدمة صحيحه ويقدمه على من أرسله.

والسبب عنده هو أن المُسنِد أو الرافع قد جاء بزيادة لم يعلمها غيره إلاّ إذا كان عدد المرسلين أكثر من عدد المسندين فهنا يستخدم منهج الاعتبار, فيقول: إذا زاد عدد المرسلين على المسندين فإنه يتوقف لاستيضاح الأمر ولمعرفة القرائن ولذا يقول: "فإن أرسله خمسة من العدول وأسنده عدلان، نظرت حينئذ إلى من فوقه بالاعتبار، وحكمت لمن يجب أي يرجح بالقرائن والدلائل", ثم وضحه بمثال.

ويتابع ابن حبان كلامه عن الموضوع فيقول: "وفي الجملة يجب أن يعتبر العدالة في نقلة الأخبار, فإذا صحت العدالة في واحد منهم قبل منه ما روى من المسند وإن أوقفه غيره, والمرفوع وإن أرسله غيره من الثقات, إذ العدالة لا توجب غيره, فيكون الإرسال والرفع عن ثقتين مقبولين, والمسند والموقوف عن عدلين يقبلان على الشرط الذي وصفناه ".(9)

يوضح ابن حبان هنا أنّ الغالب في الرواية أن يعتبر شرط العدالة في نقلة الأخبار، وهذا شرط مهم للترجيح بين الرواة, سواء الواقف منهم أو المسند، فإذا صحت العدالة في فريق منهم ـ دون النظر للعدد ـ قبل منه ما أسنده ويرجح على رواية غيره.

وكذلك في حالة الرفع والإسناد فإنّ المقدم والمرجح هو رواية الثقة العدل إذا رفع وإن أرسله غيره من الثقات, حيث يقول: إذ العدالة لا توجب غيره، ويعني أنّ العدالة توجب قبول الرفع, لا الإرسال والوقف. ثم يضيف ابن حبان: وكذلك يكون المسند والموقوف عن عدلين يقبلان على الشرط الذي وصفناه، أي على شروطه الخمسة, وعلى تفصيله إن تعارض الإرسال والوقف مع الإسناد والرفع.

وأنهي كلامه عن الحديث المرسل والمرفوع والمسند والموقوف وقد تبينت من خلال كلامه أنّه يأخذ بالرفع والإسناد، ولذلك فهو يرجح زيادة الرافع على المرسل، فإّذا تساوى عددهما أو زاد عدد المسندين من الواقفين, أو عدد الرافعين من المرسلين. أما ذا زاد عدد الواقفين والمرسلين على المسندين والرافعين فهنا يجري عملية الاعتبار.

وزيادة في التوضيح لرأي ابن حبان في الحديث المرفوع والموقوف أذكر مثالا لتوضيح بعض الأمور التي تبين أنّ ابن حبان كان يخرج من الأحاديث المرفوع ويشير إلى الموقوف:

المثال: قال المصنف: أخبرنا الحسن بن سفيان, حدثنا محمد بن سلمة المرادي, حدثنا ابن وهب, عن حيوة بن شريح, عن نافع بن سليمان, أنّ محمد بن أبي صالح, أخبره عن أبيه أنّه سمع عائشة تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن, فأرشد الله الأئمة وعفا عن المؤذنين". قال أبو حاتم: "سمع هذا الخبر أبو صالح السمان عن عائشة على حسب ما ذكرناه. وسمعه من أبي هريرة مرفوعا, فمرة حدّث به عن عائشة, وأخرى عن أبي هريرة وتارة وقفه عليه ولم يرفعه وأما الأعمش فإنّه سمعه من أبي صالح عن أبي هريرة موقوفا, وسمعه من أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا, وقد وهم من أدخل بين سهيل وأبيه فيه الأعمش لأنّ الأعمش سمعه من سهيل لا أنّ سهيلا سمعه من الأعمش".(10) ثم ذكر رواية سهيل عن أبي هريرة مرفوعا. ولم يذكر رواية الأعمش الموقوفة.

 

2. منهج الأئمة في الرفع والإسناد والإرسال والوقف

تعريف المرفوع والموقوف باختصار حتى يتم الأمر, ومن أراد المزيد في هذا الموضوع فليرجع إلى كتب علوم الحديث.

تعريف الموقُوف: هُو ما يروى عن الصَّحابة من أقوالهم، أو أفعالهم ونحوها فيوقف عَلَيهِم, وَلاَ يتجاوز به إلى رسُوْل الله صلى الله عليه وسلم.(11) والذي عبر عنه ابن حبان بالمرسل.

تعريف المَرفُوع: هُوَ مَا أضيف إلى رَسُوْل الله صلى الله عليه وسلم خاصَّة من قول أو فعل أو تقرير.(12)

قال ماهر ياسين الفحل: "والاختلاف في بَعْض الأحاديث رفعاً ووقفاً أمر طبيعي، وجد في كثيرٍ من الأحاديث، والحدِيث الواحد الَّذي يختلف بِه هكذا محل نظر عنْدَ المُحدِّثِيْن، وهُو أن المُحدِّثِين إذا وجدوا حديثاً روي مرفوعاً إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم, ثُمَّ نجد الحَدِيْث عينه قَد روي عن الصَّحابي نفسه موقوفاً عَليه، فهنا يقف النقاد إزاء ذَلك؛ لاحتمال كون المَرفُوع خطأً من بَعض الرواة والصَّوَاب الوقف، أو لاحتمال كون الوقف خطأ والصَّوَاب الرفع؛ إذ إنّ الرفع علّة للموقوف, والوقف علة للمرفوع. فإذا حصل مِثْل هَذَا في حَدِيث ما، فإنه يَكُون محل نظر وخلاف عِنْدَ العُلَمَاء, وخلاصة أقوالهم فيمَا يأتي وخصوصاً إذا كان السند صحيحاً وخالياً من بقية العلل التي تقدح بأحدها": (13)

فإن كان السند صحيحاً في كلّ من المرفوع والموقوف, وكلّ منهما قد استوفى شروط الصحة بحدها فلا بدّ من أن نرجّح أحدهما على الأخر كما هو منهج ابن حبان, حيث كان يرجح المرفوع على الموقوف غالبا حسب ما فهمت من كلامه السابق, أما غيره من المحدثين فكان لهم عدّة آراء أوضحها الآن:

الأول: يُحكم للحديث بالرفع لأنّ راويه مثبت وغيره ساكت، ولو كان نافيا فالمثبت مقدم على النافي؛ لأنّه علم ماخفي، وقد عدوا ذلك أيضا من قبيل زيادة الثقة، وهو قول كثير من المحدثين، وهو قول أكثر أهل الفقه والأصول.(14)

يقول النووي (ت 676 هـ): "زيادات الثقة مقبولة مطلقا عند الجماهير من أهل الحديث والفقه والأصول، وقيل: لا تقبل، وقيل: تقبل ممن رواه ناقصا ولا تقبل إن زادها هو، وأما إذا روى العدل الضابط المتقن حديثا انفرد به فمقبول بلا خلاف نقل الخطيب البغدادي اتفاق العلماء عليه, وأما إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلا وبعضهم مرسلا, أو بعضهم موقوفا وبعضهم مرفوعا, أو وصله هو أو رفعه في وقت, وأرسله أو وقفه في وقت, فالصحيح الذي قاله المحققون من المحدثين وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول وصححه الخطيب البغدادي, أنّ الحكم لمن وصله أو رفعه, سواء كان المخالف له مثله أو أكثر وأحفظ لأنّه زيادة ثقة وهي مقبولة. وقيل: الحكم لمن أرسله أو وقفه، قال الخطيب: وهو قول المحدثين. وقيل: الحكم للأكثر. وقيل: للأحفظ ".(15) النووي يوافق ابن حبان فيما ذهب إليه من اختياره لترجيح الرفع على الوقف.

ويقول العراقي (ت 806 هـ): "الصَّحِيح الّذي عَلَيه الجُمهور أنّ الرَّاوي إذا روى الحدِيث مرفوعاً وموقوفاً فالحكم للرفع، لأنّ معه في حالة الرفع زيادة، هذَا هو المرجح عند أهل الحدِيث ".(16)

وكذلك يقول العراقي: "إذا اختلف الثقات في حديث, فرواه بعضهم متصلا، ورواه بعضهم مرسلا، فاختلف أهل الحديث الحكم لمن وصل, أو لمن أرسل, أو للأكثر, أو للأحفظ, على أربعة أقوال: أولها: أنّ الحكم لمن وصل، وهو الأظهر كما صححه الخطيب، وقال ابن الصلاح: إنّه الصحيح في الفقه وأصوله، ونسب ابن الصلاح للنُّظار أن صححوه، والنظار هم أهل الفقه والأصول".(17)

  لذلك فإنّي أرى من خلال رأي العراقي أنّه نقل قول الجمهور من المحدثين وأهل الفقه والأصول أنّ الرواية الأرجح هي للرافع والواصل والمسند, والسبب أنّ الرافع معه زيادة علم، وقد قاسه أيضا على زيادة الثقة, واستدل العراقي بقول الخطيب في ترجيح ما رجحه من تقديم رواية الرافع والواصل والمسند على غيرها, وكذلك نسب هذا القول إلى ابن الصلاح بأنّه نسبه إلى النظار، وهذا ما رجحه ابن حبان من قبول الرفع غالباً على الوقف, وقبول الإسناد على الإرسال، وكلامه واضح في هذه المسألة.

لا أطيل بذكر جميع الآراء والاختلافات بين العلماء ومن أراد المزيد فليراجع كتب علوم الحديث. (18)

وقد رجّح النَّوويّ من هذه الأقوال القَول الأول، ومشى علَيه في تصانيفه، وأكثر من القَوْل به، وهذا يتوافق كما قلت مع منهج وقول ابن حبان في ترجيح الرفع على الوقف مهما كان السبب وعلى إطلاقه، فمنهجه لا يخرج عنه منهج الجمهور والعمل كما عندهم والله أعلم.

يقول ماهر ياسين الفحل بعد عرضه لهذه الآراء: " والذي ظهر لي – من صنيع جهابذة المحدثين ونقادهم –: أنّهم لا يحكمون علَى الحدِيث الَذي اختلف فيه عَلَى هذَا النحو أول وهلة، بَلْ يوازنون ويقارنون, ثُمَّ يحكمون عَلَى الحَدِيْث بما يليق بِهِ، فَقَدْ يرجحون الرِّوَايَة المرفوعة، وَقَدْ يرجحون الرِّوَايَة الموقوفة، عَلَى حسب المرجحات والقرائن المحيطة بالروايات؛ فعلى هَذَا فإنّ حكم المُحَدِّثِيْنَ في مِثْل هَذَا لا يندرج تَحْتَ قاعدة كلية مطردة تقع تحتها جَمِيْع الأحاديث, لِذلِكَ فإنّ مَا أطلق النَّوَوِيّ ترجيحه يمكن أن يَكُون مقيداً عَلَى النحو الآتي: الحكم للرفع ـ لأنّ راويه مثبت وغيره ساكت، وَلَوْ كَانَ نافياً فالمثبت مقدم عَلَى النافي؛ لأَنَّهُ علم مَا خفي ـ إلاّ إذَا قام لدى الناقد دليل أو ظهرت قرائن يترجح معها الوقف".(19)

أقول: إنّ هذا الرأي من ماهر ياسين هو الصواب والفصل في هذه المسالة لذلك أميل إليه وأرجحه بناء على ما فهمته من أقوال العلماء المتقدمين واللاحقين، والسبب في ترجيحي لقول ماهر ياسين أنّه جمع بين الأقوال السابقة ووازن بينها، والعمل في كتب الحديث جار على هذا والله أعلم.

 

رابعاً: زيادة الثقة عند ابن حبان

1.  رأي ابن حبان في زيادة الثقة

سماها ابن حبان زيادة الألفاظ في الروايات حيث يقول: "وأمّا زيادة الألفاظ في الروايات فإنّا لا نقبل شيئاً منها, إلاّ عمّن كان الغالب عليه الفقه حتى يُعلم أنّه كان يروي الشيء ويعلَمه, حتى لا يشكّ فيه أنّه أزاله عن سَنَنه, أو غيّره عن معناه أم لا".(20)

قلت: ابن حبان يبين ويعني أنّه لا يقبل زيادة في ألفاظ الحديث من الراوي إلاّ إذا كان راوي هذه الزيادة فقيهاً، ويعني بذلك أنّه يقبلها من المحدّث الفقيه، ولا يقبلها من المحدّث غير الفقيه. وذلك خشية أن يكون قد أخطأ في روايتها فخالف غيره فتكون وهماً منه, وقد بيّن أنّه لا تجوز رواية الحديث بالمعنى إلاّ لفقيه حتى لا يغير كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحلّ إلى الحرمة أو العكس. وإذا لم يخالف غيره فقوله مقبول مطلقاً، بالرغم أن المحدثين قد اختلفوا في قبول زيادة الثقة على أقوال كثيرة.(21)

ثم بعد ذلك يسوق ابن حبان حججه, فيقول في سبب اشتراطه الفقه مع الحديث فيمن تقبل زيادته: "لأنّ أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون، والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأدائها بالمعنى دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين".(22)

نعم هذا هو حال بعض المحدثين وبعض الفقهاء عند الرواية وإن لم يكن الغالب هكذا، فبعض المحدثين ممن ليس عندهم اهتمام بالفقه لا يراعون كثيراً ألفاظ الأحاديث لأنّهم مشغولون بنقل الأسانيد وحفظها، وكذلك حفظ الأسماء وضبطها، فقد ينسون المتون والاهتمام بها خصوصاً إذا رووا حديثاً فيه لفظة مزادة.

وكذلك حال بعض الفقهاء إذا رووا فإنهم لا يهتمون كثيراً بالأسانيد لأنّ همهم نقل المتون، فابن حبان يبين رأيه في ذلك فيقول: إنّ الفقيه إذا روى زيادة لفظة في الحديث فإنّه لا يدقق فيها كثيراً، لأنّه مشغول بنقل المتون فقط فقد تكون هذه الزيادة عن ضعيف، أو يكون راويها مخالفاً لما رواه الثقات، أو يكون صاحبها تفرد فيها، وخالف الثقات فكيف يقبلها ابن حبان؟.

ويستمر ابن حبان في شرح وجهة نظره في قبوله لزيادة الثقة, أو لقبوله الزيادات في الألفاظ فيقول: "فإذا رفع محدّث خبراً, وكان الغالب عليه الفقه لم أقبل رفعه إلاّ من كتابه؛ لأنّه لا يعلم المسند من المرسل, ولا الموقوف من المنقطع, وإنّما همته إحكام المتن فقط ".(23)

يقبل ابن حبان زيادة الفقيه إذا روى من كتابه؛ لأنّه بالكتاب يضبط الرواية أكثر، فيضبط ألفاظ المتون ويضبط أسماء المسندين من الرواة وغير ذلك.

هذه هي وجهة نظر ابن حبان في قبوله زيادات الألفاظ في الروايات، وإن لم يقل بها غيره من المحدثين أو جمهورهم، وخصوصاً بهذا التنصيص الدقيق منه، وحتى الفقهاء لم يشترطوا هذه الشروط في أن يكون المحدّث فقيها, أو الفقيه محدثاً حتى يقبلوا منه الزيادة, فابن حبان يعمل بهذه الشروط إذا حصل تعارض بين الفقيه إذا روى حديثا, ولم يكن عنده خبرة بالأسانيد، وبين غيره ممن صناعته الحديث، أو بين محدث غير فقيه، ومحدث فقيه فيرجّح رواية المحدّث الفقيه على غيره عند التعارض.

 

2.  رأي الجمهور في زيادة الثقة

سأناقش وجهة الأئمة في قبولهم لزيادات الألفاظ أو زيادات الثقة, ثمّّ أقارن بين رأي ابن حبان ورأي غيره في هذه المسالة، يقول ابن كثير: "... إِذا تفرَد اَلراوي بِزِيادَة فِي اَلحدِيث عَن بَقِية اَلرواة عن شيخ لهم، وهذَا اَلَذي يعبر عنه بزِيادَة اَلثِّقَةِ، فَهَل هِي مقْبُولَة أَم لا؟  فِيه خلاف مشهور فَحكَى اَلخَطيب عَن أَكثَر اَلْفُقَهاءِ قَبُولها، وردَّها أَكثَر اَلمحدّثين. ومِن اَلنّاس مَن قال: إِن اتَّحد مجلس السِّماع لم تُقْبل، وإِن تعدّد قُبِلت".(24)

ويقول ابن حجر: "والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي (ت 198 هـ) ويحيى القطان (ت 198 هـ)، وأحمد بن حنبل (ت 241 هـ)، ويحيى بن معين (ت 232 هـ )، وعلي بن المديني (ت 233 هـ)، والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم (ت 277 هـ) والنسائي (ت 303 هـ) والدارقطني (385 هـ) وغيرهم، اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة".(25)

ويذكر كذلك ابن حجر مخالفته لابن حبان وغيره من علماء الفقه والأصول في إطلاقهم قبول الزيادة مطلقاً.

فيقول: "قوله: "ص" ـ ابن الصلاح ـ وقد رأيت تقسيم الزيادات إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ما يقع منافياً لما رواه الثقات وهذا حكمه الرد يعني لأنّه يصير شاذاً. والثاني: أن لا يكون منافاة، فحكمه القبول، لأنّه جازم بما رواه وهو ثقة ولا معارض لروايته، لأنّ الساكت عنها لم ينفها لفظاً ولا معنى, ولأنّ مجرد سكوته عنها لا يدل على أنّ راويها وهم فيها. والثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث".(26)

ثم قال ابن حجر معقبا على كلام ابن الصلاح: "م يحكم ابن الصلاح على هذا الثالث بشيء. والذي جرى على قواعد المحدثين أنّهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول والرد، بل يرجحون بالقرائن. على أنّ القسم الأول الذي حكم عليه المصنف بالرد مطلقاً، قد نوزع فيه, وجزم ابن حبان والحاكم وغيرهما بقبول زيادة الثقة في سائر الأحوال سواء اتحد المجلس أو تعدد، سواء كثر الساكتون أو تساووا، وهذا قول جماعة من أئمة الفقه والأصول، وجرى على هذا محي الدين النووي في مصنفاته".(27)

ثم يقول ابن حجر: "وفيه نظر كبير؛ لأنّه لا يرد عليهم الحديث الذي يتحد, فيرويه جماعة من الحفّاظ الأثبات على وجه, ويرويه ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه  يشتمل على زيادة  تخالف ما رووه, إمّا في المتن وإمّا في الإسناد، فكيف تقبل زيادته, وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو لكثرتهم، ولا سيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويعتني بمروياته كالزهري وأضرابه بحيث يقال: إنّه لو رواها لسمعها منه حفّاظ أصحابه, ولو سمعوها لرووها, ولمَا تطابقوا على تركها، والذي يغلب على الظنّ في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة".(28)

وقد نص الشافعي في "الأم" على نحو هذا فقال: في زيادة مالك ومن تابعه في حديث: "فقد عتق منه ما عتق": إنّما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه, أو بأنْ يأتي بشيء يشركه فيه مَن لم يحفظه عنه، وهم عدد وهو منفرد...".(29)

أقول: في مناقشة رد ابن حجر على ابن الصلاح في رده النوع الأول مطلقاً إنّ ابن حبان يقول به ويأخذ به, وإنّه وكما عرضت منهجه لا يأخذ بزيادات الألفاظ, إلاّ إذا كان الزائد لها عالماً بالحديث أولاً وعنده خبرة بالفقه ثانياً، فإذا تعارضت روايته مع غيره فابن حبان يقدّم روايته على الشروط التي ذكرتها, أو كما وضحت منهجه سابقاً هذا هو رأي ابن حبان في زيادة الثقة وليس كما قال ابن حجر.

يقول حمزة المليباري: "إنّ الزيادة في حديث ما قوانين مطردة أشبه بالمسائل الفقهية البحتة، بينما ليس لأهل الحديث فيها حكم كلي، بل عملهم في ذلك دائر مع القرائن, في كل حديث حديث".(30)

أقول: هذا هو الأفضل والأحسن في قبول الزيادات في الروايات كما هو منهج جهابذة الحديث, ولا أريد الإطالة في هذا الموضوع, فإن كان ابن حبان اشترط شروطاً في قبول زيادة الراوي مثل أن يكون عالماً بالفقه والحديث معاً فيحق له ذلك, ورأيه لا يُلزم غيره, وإن كان خالف الجمهور في هذا الشرط, فهو يراه أحوط وأفضل للتثبت من السنن، وخصوصا عند التعارض فهو يقدم ما شرطه في صحيحه ويلتزم بتلك الشروط.

قال أبو بكر كافي عن زيادة الألفاظ عند ابن حبان: "تقبل الزيادة في المتون من الفقهاء, ولا تقبل من المحدثين الذين لا يهتمون بالفقه، وأمّا الزيادة في الإسناد فتقبل من المحدثين, ولا تقبل من الفقهاء الذين لا يهتمون بالإسناد".(31)

وإن كان هذا الفهم غير وارد في كلام ابن حبان, إلاّ أنّه تأويل لكلام ابن حبان, فهو لم يصرح بهذا الرأي على ما فهمته من خلال شرحي لكلامه عن زيادة الألفاظ والله أعلم، وهذا الكلام على إطلاقه فيه شيء من الصحة, ولكنه يحتاج إلى تقييد. وذكر أبو بكر كافي أيضاً في الرأي الأول أنّ ابن حبان يقول بقبول الزيادة مطلقاً يقول: "ذهب الجمهور من الفقهاء وبعض المحدثين كابن حبان والحاكم وجماعة من الأصوليين منهم الغزالي في "المستصفى" وجرى عليه النووي في مصنفاته إلى أن زيادة الثقة مقبولة مطلقاً".(32)

يقول محمد أبو الليث الخير أبادي معلقا على الكلام السابق: "في الحقيقة هذا الخطأ حصل من ابن حجر وإلاّ فابن حبان لا يقول به مطلقا, وعنده صوره يتبع فيها عملية الاعتبار".(33)

فما أدري ما الذي اعتمده ورجحه أبو بكر كافي هنا, أهو الرأي الأول أم الثاني في كلامه عن ابن حبان، وإن كان ابن حبان لم ينفرد بهذا الرأي؛ أي بقبول الزيادة مطلقاً، ولا يعني ذلك أنه يقبل الزيادة التي تخالف الثقات, أو التي تكون من ضعيف، أو غير ذلك من علل رد الزيادات، فهو كغيره لا يقبل هذه الزيادة إلاّ إذا كانت عن ثقة ومن ثقة وكلهم عالم بالفقه وغيره من الشروط التي فصلها ابن حبان سابقاً، فهذا جانب نظري وذكره ابن حبان وإن نازعه غيره من أصحاب الحديث, إلاّ أنّني أجد أنّه لم يخرج كثيراً عن منهج الجمهور في قبول الزيادات, في الروايات.

ويقول إبراهيم اللاحم: "وخلاصة الأمر في زيادة الثقة أنّ المحدثين لا يقبلون كلّ زيادة مطلقاً بل ينظرون في كل زيادة على حدة، وضمن ملابساتها بالإضافة إلى من زادها، وغير ذلك من القرائن".(34)

هذا هو منهج ابن حبان العملي في قبول الزيادة, ولم يشترط في المثال الفقه فيمن روى الزيادة التي ذكر أي الفقه والحديث معاً, وإن كان أكد عليه في بداية مقدمته التي ذكرتها، وإن عارض الجمهور نظرياً في مقدمته, إلاّ أنّه لم يخرج عما ذكروه عند التطبيق كما في المثال الذي ذكرت.

 قال شعيب الأرنؤوط في هامش التعليق على زيادة الألفاظ: " وهذا التقسيم مما انفرد به ابن حبان، ولم يسبق إليه, وجاء في "شرح النخبة" للمناوي: والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كابن مهدي ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل, ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة".(35) والله أعلم.

 

الخاتمة

من خلال ما عرضت من آراء ابن حبان في قبول الرواية في صحيحه ومقارنته برأي الأئمة الحفاظ يمكن أن أثبت أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث:

1.   توصلت وترجح لديّ أنّ الإمام ابن حبان رحمه الله من الأئمة المتقدمين منهجا وزمانا, خلافا لما قاله البعض, أنه من المتأخرين وذلك من خلال تتبع منهجه في مقدمة صحيحه وأنّه لا يفرق بين الحديث الصحيح والحسن, والآحاد والمتواتر.

2.   اتهام ابن حبان بعدم التفريق بين الصحيح والحسن ليس انتقاصا من علمه وقدره لأنّه متابع لرأي النقاد المتقدمين في ذلك أمثال الإمام البخاري، وإنّما ذلك بسبب عدم إدراكنا في هذه الأيام لمنهج المتقدمين وفصله عن المتأخرين، وعدم فهم البعض لاصطلاحات القوم والخلط بين المنهجين، في هذا الموضوع وفي غيره من الموضوعات التي لا بدّ من إعادة النظر فيها وفي فهمنا لها.

3.   كما توصلت إلى ردّ دعوى نفي ابن حبان للحديث العزيز والمتواتر, وإثباته أنّ الأخبار كلّها آحاد, وهذا وإن كان فُهم من كلام ابن حبان إلاّ أنّه بالبحث والمناقشة والفهم الصحيح لكلام ابن حبان, توصلت إلى نفي تلك التهمة عنه وصحيحه شاهد على ذلك. وإن كان ابن حبان ينفي بعض صور العزيز التي تقول بها المعتزلة, إلاّ أنّ ذلك لا يعني نفيه لغير الآحاد.

4.   ابن حبان اشترط شروطا لقبول الأخبار انفرد ببعضها عن الأئمة واختلفت عباراته عنهم, إلاّ أنه يحق له مخالفة غيره لأنّه من المعتبرين في هذا العلم, وهو إمام مجتهد في فنه.

5.   ابن حبان يرجّح الرفع في الأخبار عن كلّ شيخ اجتمعت فيه الخصال والشروط الخمس التي ذكرها في مقدمة صحيحه ويقدمه على من أرسله. والسبب عنده هو أن المُسنِد أو الرافع قد جاء بزيادة لم يعلمها غيره إلاّ إذا كان عدد المرسلين أكثر من عدد المسندين فهنا يستخدم منهج الاعتبار.

6.   كما أنّ ابن حبان لا يقبل زيادة الثقة, إلاّ بشروط ذكرها واختص بها عن غيره من الأئمة, فيشترط بالراوي أن يلم بالفقه كما يشترط بالفقيه العلم بالحديث, حتى يقبل منه ما زاده في الحديث, عند الرواية بالمعنى التي يرى ابن حبان جواز الرواية بها متابعا في ذلك الجمهور, وقد قال بهذا الرأي بعض الأئمة.

 

13 ربيع الثاني 1429هـ

 

___________________

1.    حاتم العوني، دفاع عن ابن حبان في نفيه وجود العزيز،  ص2- 3, بتصرف.

2.    المرجع السابق، ص 2- 3, بتصرف.

3.    المرجع السابق، ص 4- 5, بتصرف.

4.    السخاوي، فتح المغيث شرح ألفية الحديث، ج3، ص42.

5.    تحرف فيه "ابن حبان" إلى "ابن الحاجب". 

6.    السخاوي، فتح المغيث شرح ألفية الحديث،ج3، ص42.

7.    ابن حبان، الصحيح، ج1، ص 157.

8.    يقول ابن حبان, في الصحيح ج1، ص151:" وأما شرطنا في نقلة ما أودعناه كتابنا هذا من السنن, فإنّا لم نحتجّ فيه إلاّ بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء: العدالة في الدين بالستر الجميل, الصدق في الحديث بالشهرة فيه, العقل بما يحدث من الحديث, العلم بما يحيل من معاني ما يروي, المتعري خبره عن التدليس. فكلّ من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه وبنينا الكتاب على روايته وكلّ من تعرى عن خصلة من هذه الخصال الخمس لم نحتجّ به".

9.    ابن حبان, الصحيح, ج1, ص 157.

10. ابن حبان, الصحيح, كتاب الصلاة، باب الأذان، ج4، ص559 , حديث: 1671.

11. محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، معرفَة علوم الحدِيث، تحقيق: السيد معظم حسين (بيروت دار الكتب العلمية،, ط2، 1977م) ص 19، وص41ـ42، وص11. وانظر الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، ص 21. وابن عبد البر، التمهيد، ج 1، ص25. وابن جماعة، المنهل الروي، ص40. والعراقي، شرح التبصرة والتذكرة، تحقيق: ماهر ياسين الفحل، وزميله، 2001م، ج1، ص 123، وج1، ص 184، والسخاوي، فتح المغيث شرح ألفية الحديث، ج1، ص90-  92.    

12. الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، ص 21، وص85. وابن عبد البر، التمهيد, ج 1، ص25، والحاكم,  معرفة أنواع علم الحديث, ص 117، وابن جماعة , المنهل الروي, ص40. والسيوطي, تدريب الراوي، ج1، ص183- 190،  والسخاوي، فتح المغيث شرح الفية الحديث, ج1، ص86- 88.

13.  ماهر ياسين الفحل، بحث تعارض الوقف والرفع, موقع أهل الحديث, http://www.ahlalhdeeth خزانة الكتب والأبحاث, تاريخ النشر: 15/ 4/ 2003، ص2.

14. انظر ابن الصلاح، مقدمة ابن الصلاح في مصطلح الحديث،"علوم الحديث"ص37- 38.

15. النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم، ج1، ص32.

16. السخاوي، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، طبعة عبد الرحمن محمد عثمان، ج1، ص168.

17. العراقي، شرح التبصرة والتذكرة، ج1، ص86- 87.

18. انظر: السخاوي، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، ج1، ص195. وج1، ص 194. والسخاوي، فتح المغيث شرح ألفية الحديث, طبعة عبد الرحمن محمد، ج1، ص 168. والعراقي، شرح التبصرة والتذكرة،ج1، ص179، ج1، ص233.

19. ماهر ياسين الفحل، تعارض الوقف والرفع، ص3- 4.

20. ابن حبان، الصحيح، ج1، ص، 159.

21. انظر بتوسع الخطيب البغدادي, الكفاية في علم الرواية، ص424ـ425 .والأبناسي, الشذا الفياح في علوم ابن الصلاح، ج1، ص194.

22. ابن حبان، الصحيح، ج1، ص159.

23. ابن حبان، الصحيح، ج1، ص159.

24. ابن كثير، الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث، النوع السابع عشر، ص 25.

25. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، نزهة النظر في توضح نخبة الفكر (دمشق: مطبعة المصباح، ط2، 1414هـ) ص67.

26. ابن حجر، النكت على كتاب ابن الصلاح، ج 2، 159، بتصرف.

27. المرجع السابق, ج 2، 159، بتصرف.

28. المرجع السابق, ج2, ص 159, بتصرف.

29. انظر محمد بن أدريس الشافعي, الأم (بيروت: دار المعرفة، ط2، 1993م) ج7، ص 95.

30. حمزة المليباري، الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين في تصحيح الأحاديث وتعليلها (ط2، 1422هـ) ص 138.    

31. أبو بكر كافي، منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها "من خلال الجامع الصحيح" رسالة جامعية،  إشراف حمزة عبد الله المليباري, دار ابن حزم، ص 224.

32. المرجع السابق ص 225. وانظر الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، ص464، والسخاوي، فتح المغيث, ج1, ص233.

33. الدكتور محمد أبو الليث الخيرأبادي, أستاذ الحديث بقسم دراسات القرآن والسنة, بكلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية, في الجامعة الإسلامية العالمية, ماليزيا.

34. إبراهيم اللاحم، شرح الباحث الحثيث في اختصار علوم الحديث، لابن كثير، محاضرات في مسجد ابن تيمية، الرياض، ص 191، بتصرف.

35. ابن حبان، مقدمة الصحيح، ج1، ص159.

 

ÑÊÈ: ÇáßÓÇ ÇáÚÑÈí