|
لا تغيير فى ظل أمريكا
د. ياسر صابر
إن التغيير الذى ننشده لايمكن أن يتحقق دون إدراك حقيقة
الصراع ، ومن ظن أن الصراع هو بين الأمة وحكامها فبالطبع
سوف يخطىء الطريق حين يعمل للتغيير، لأنه سيكتفى بإزاحة
الحاكم ورجالاته ويستبدلهم بغيرهم . إن التفكير الصحيح
يستلزم منا طرح الأسئلة : من الذى أتى بهؤلاء الحكام
الذين أذاقوا الأمة سوء العذاب ، الذين سهروا على مصالح
الغرب ودمروا أمتهم ولم يتركوا طريقاً ليشقوا به على
رعاياهم إلا وقد سلكوه ؟
إن الجواب على هذا لايحتاج عناء مشقة إو إجهاد نفس ، لأن
الصراع قد تبلور بشكلٍ لايجعل أحداً يمارى فيه ، فحقيقة
الصراع هى معاداة الغرب للإسلام وإتخاذه عدواً ، فالأمة لم
تختر لنفسها هذا الصراع بل هو مفروض عليها ، وهذا الصراع
قد أخذ منحى خطيراً حين تمكن الغرب من القضاء على الخلافة
، وإزالة الوحدة السياسية التى ربطت الأمة على مدى
13
قرناً من الزمن ، وإقامة حدودٍ مصطنعة لتفصل بين أبناء
الأمة الواحدة . وقد أقام الغرب على هذه الكيانات عملاءً
له ، أناط بهم مهمة ثقيلة ، وهى تشكيل خط الدفاع الأول عن
الغرب ومصالحه ، وقد أمد الغرب هذه الأنظمة بكل الوسائل
لتتمكن من إنجاز هذه المهمة وهى إبعاد الإسلام عن الحكم
وبالتالى ترسيخ الفرقة بين أبناء الأمة والحيلولة دون
عودتهم مرة أخرى أمةً واحدةً ، وقد ركز الغرب عن طريق
عملائه من الحكام على إشغال الأمة بمشاكل ثانوية فشغلها
بقوت يومها وعدم رعايته لشؤونها حتى تستنفذ كل وقتها فى
البحث عن حياة كريمة ، وبالتالى تنشغل عن التفكير الجاد فى
التغيير الصحيح .
وبعد أن خرجت أمريكا من الحرب العالمية الثانية منتصرة ،
قامت بإستبدال الإستعمار القديم بنوع آخر من الإستعمار
فخرجت الجيوش المستعمرة وتم إستبدالها بجيوش جديدة من
العملاء وقامت هذه التحركات تحت مسمى براق أطلقوا عليه
ثورات التحرر العربية ، وماكانت هذه إلا إستبدال وجوه
بوجوه أخرى ، وتم من خلالها ترسيخ أقدام المستعمر فى كل
مؤسسات الحياة فى بلادنا. وكانت مصر أولى ضحايا الإستعمار
الأمريكى حيث إستطاعت أمريكا أن تمد يدها إلى كل مفاصل
الحياة لإدراكها أن من يملك مصر فقد ملك العالم الإسلامى ،
وأن أى تغيير فى مصر سوف يتبعه تغيير شامل فى كل بلاد
العالم الإسلامى ، لذلك عملت الأنظمة المتعاقبة على ترسيخ
النظام العلمانى فى مصر ومحاربة أى محاولات لإنهاضها على
أساس الإسلام ، وقد نالت الحركات الإسلامية بمختلف
توجهاتها من العذاب والتنكيل والتضييق والقتل مالم ينله
أحد غيرها.
هذه هى حقيقة الصراع ، صراع بين الغرب بقيادة أمريكا من
جهة والإسلام من جهة أخرى ، وليس الصراع صراع مصالح كما
يدَّعى البعض ، لأن الغرب كان بإستطاعته تأمين مصالحه
بعملائه من الحكام دون أن يحتاج إلى كل هذا الإجرام الذى
مارسه على الأمة.
إذا كانت هذه هى حقيقة الصراع فإن التغيير الحقيقى لايجوز
أن ينصب على إزالة الحكام وإبقاء النظام العلمانى الذى
يكرس إنحطاطنا ، ولايكون التغيير الحقيقى بإيصال الحركات
الإسلامية إلى الحكم دون الإسلام ، كما لايكون التغيير
الحقيقى بالإبقاء على العلاقات مع أمريكا طرف الصراع . إن
من يعمل للتغيير ويريد أن يتعامى عن حقيقة هذا الصراع فهو
لايخدع إلا نفسه ، وإن من يظن أن الصراع هو صراع مصالح
وأنه يمكن إقامة علاقات على مستوى من الندية مع الغرب فهو
أيضاً حالم ويتغافل عن الحقيقة.
إن الثورات التى منَّ الله بها علينا قد فتحت الباب على
مصراعيه للتحرر الحقيقى بالتخلص من كل أنواع التبعية
لأمريكا ومؤسساتها الإستعمارية ، وهذا لايكون إلا بإزالة
النظام العلمانى الذى يحكمنا والذى أقامه الغرب فى بلادنا
على أنقاض دولة الخلافة ، والعودة إلى الإسلام بوصفه
نظاماً شاملاً للحياة بإيصاله إلى الحكم ، ليكونَ هو
المتحكم فى كل علاقاتنا سواء الداخلية أو الخارجية ، ولأن
الإسلام هو مصدر قوتنا وبه وحده نستطيع التحرر من الغرب
تحرراً كاملاً لقدرته على تنظيم كل شؤون الحياة تنظيماً
صحيحاً ، فنظامه الإقتصادى قادر على تدبير شؤون المال
تدبيراً دقيقاً بالشكل الذى يُمَكن الأمة من الإستفادة
بثرواتها التى نهبها الغرب ولم تستفد منها الأمة فى يوم من
الأيام ، وهذا النظام سيكون قادراً لإعادة النظام النقدى
إلى قاعدة الذهب والفضة كما كان فى سابق عهده وبالتالى سوف
يوجه بذلك الضربة الأخيرة للنظام الرأسمالى العفن ، والخير
الذى حبانا الله به يجعلنا قادرين على هذا بشكلٍ إنقلابى
دون تأخير.
إن الإبقاء على أمريكا ونفوذها فى مصر يتناقض كل التناقض
مع التغيير الحقيقى ، فلا يمكن العمل للتغيير فى ظل وجود
أمريكا فى مصر لأنها هى العدو الأول للتغيير ، ولاينخدعن
أحد بما تُصرحُ به من آنٍ إلى آخر ، بأن الحكام قد خدعوها
بإعطائها صورةً مشوهةً عن الحركات الإسلامية ، لاينخدعن
أحد بمثل هذه التصريحات لأن أمريكا تعلم تفاصيل الأمور
وليست بحاجة لعملائها الذين لايملكون من أمرهم شيئاً حتى
يخدعوها . إن أمريكا تدرك أن الأمور قد تغيرت وأن الأمة
التى خرجت على حكامها لاتهاب الموت ، ولايمكن لأحد أن
يُسكِتُها بعد اليوم ، وأن هذه الأمة فى طريقها إلى التحرر
شاءت أمريكا أم أبت . لذلك تحاول أمريكا وغيرها من دول
الغرب تقمص دور الضحية ، وأنهم والحركات الإسلامية ضحايا
لحكام المسلمين ، وإذا كانت أمريكا تدعى هذا ، فإنه من أجل
إمتصاص غضب الأمة حتى لاتوجه سهامها إليها . وتعلم أمريكا
أن هذه الثورات قد فاجأتها دون أن تَعُدَ لها العدة ، لذلك
هى متخبطة فى تعاملها مع الثورات خاصة فى مصر وإذا أضفنا
لذلك مشاكلها الداخلية التى تفاقمت ووصلت لدرجة اللاعودة ،
ندرك تمام الإدراك أن أمريكا تحاول بخداعها الحركات
الإسلامية أن تأخذ إستراحة محارب حتى تتمكن من ربط الحكام
الجدد بها عن طريق المساعدات الإقتصادية والتلويح بمسألة
الإعتراف الدولى بالحكومات الجديدة.
إن أمريكا عدو ، فيجب علينا أن نتخذها عدواً ، ولايمكن أن
يستقيم العمل للتغيير الحقيقى والمحافظة على العلاقات مع
أمريكا لأنهما نقيضان لايجتمعان ، فالسير فى طريق أمريكا
بحجة أننا لانقوى على المواجهة معها هو إنتحار سياسى
بالإضافة إلا أنه خذلان للأمة التى خرجت عن بكرة أبيها
لتعطى أصواتها للإسلام بإختيارها الحركات الإسلامية فيجب
على هذه الحركات ألا تخذل الأمة وهذا لن يحدث إلا إذا
أدركت هذه الحركات أن النصر من عند الله وأن العزة لاتستمد
إلا منه .أمريكأ
"
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ
ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ
ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ
ۗ وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ" آل عمران
160
|