مجلة علمية تثقيفية تعنى بنشر الدراسات الشرعية والأبحاث الفكرية من وجهة نظر إسلامية.

تأثير الأزمة الاقتصادية على تركيا

كتبه  أسعد منصور

الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين وعلى آله وأصحابه ومن اتبعه إلى يوم الدين. قال الله تعالى:" كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم".( الحشر7)

   فكما تعلمون فان العالم يهتز بالأزمة الاقتصادية الكبيرة الناتجة عن الرأسمالية، وفي الأساس فان النظام الاقتصادي الرأسمالي الفاسد قد بدأ من سنيين بالسقوط، وقبل أن ادخل في موضوع تأثير الأزمة على تركيا يلزم أن أعرج بشكل مختصر على أسس الأزمة الاقتصادية العالمية:
   لقد عاش العالم بأزمات عديدة في ظل الرأسمالية، فبعضها كان سببا لحروب كبيرة. فأول أزمة كانت قد انفجرت عام 1929. وان كان مركز الهدم أمريكا الشمالية وأوروبا إلا أن أثار الهدم وصلت إلى باقي انحاء العالم وخاصة الدول الصناعية. فالمصيبة الكبرى كانت قد ضربت المدن الصناعية الكبرى على الاخص. فاصطفت فيها طوابير العاطلين عن العمل وفاقدي المنازل. وقد توقفت حركة البناء والاعمار في اكثر البلاد التي تـأثرت بالازمة، وانخفضت اثمان المحاصيل الزراعية من 40% الى 60%، وقد تأثر الفلاحين وساكني الارياف نحو اتجاه سيئ. 
   فاسباب تلك الازمة لا تفترق عن اسباب الازمة الحالية؛ فقد شهدت امريكا مرحلة استقرار ما بين عامي 1924 و1929. فبصادراتها الزائدة اصبحت مقرضة العالم بالاموال. ففي تلك الفترة بدأت بتطوير الصناعات الحديثة مثل صناعة السيارات والكهرباء والبناء. وبسبب زيادة الطلب على الصناعات الجديدة المتطورة زادت حركة البورصة، حتى وصل الحد بها في عام 1928 ان سحبت امريكا القروض التي اعطتها لبورصة نيويورك. وكان الطاغي على الامريكيين الرغبة في الغنى وذلك ببذل الجهد بطاقة فزيائية منخفضة وهذا نابع من الفكر الرأسمالي. فانفجار التجارة بالاشياء غير المنقولة الذي حدث في فلوريدا عام 1926 كان دليلا على الحالة النفسية التي سيطرت على الناس يومئذ. فلقد فكروا ان الاشياء غير المنقولة في فلوريدا سترتفع قيمتها، فحدوث عاصفة ارضية لم تكن في الحسبان قلبت كل الخطط رأسا على عقب. فبيعت الاملاك باسعار متدنية جدا. فكانت هذه الحادثة كبالون اختبار تقليدي يحمل في داخله جميع خواصه.
   الى ان جاء عام 1929 وقد توحدت كثير من الشركات الصغرى فاصبحت بيوتات كبيرة. فكان عدد البيوتات التي اصبحت تملك اكثر من نصف ثروة البلاد 200. ويرينا ذلك انه ما من شركة من هذه الشركات العظمى تعلن افلاسها فان ذلك يكون كافيا لزعزعة الاقتصاد. 
   وكانت امريكا قد رفضت طبع اوراق مالية لا تستند الى الذهب، واتبعت سياسة صارمة. وهكذا فعندما لم توجد نقود في السوق وقفت النشاطات الاقتصادية وصغر حجم القطاع الحقيقي وزادت البطالة وقل الدخل.
   وقد كانت امريكا بمثابة حجر الاساس في العالم في موضوع الاقراض الصافي فاهتز ذلك. ففي بورصة نيويورك منذ بداية عام 1928 حتى بداية شهر تشرين الثاني/اكتوبر والاسعار والارباح ترتفع، فما ان جاء يوم 3 اكتوبر من عام  1929 لتحقق الاسبباب التي ذكرناها في الاعلى حتى وقف التقدم في البورصة وقد هبطت اسعار سندات واسهم بعض البيوتات الكبرى. وقد تسارع هذا الهبوط يوم 21 اكتوبرعام 1929 بسبب ان المستثمرين الاجانب الذين ارادوا ان يتخلصوا من الاوراق(الاسهم والسندات) التي بين ايديهم فاصابت البورصة ضربة عميقة يوم 24 اكتوبر من عام 1929 فيما يعرف بيوم الخميس الاسود. ( موسوعة ويكيبيديا باللغة التركية)
   فباختصار هذه هي اول ازمة كبيرة، فبعد هذه الازمة تأثر اقتصاد كثير من الدول. فلا نريد ان ندخل في تفاصيل ذلك. ولكننا سنتعرض لتأثير الازمة على تركيا لكونها موضوعنا الاصلي. فقد تأثرت تركيا بهذه الازمة الاولى. 
كما تعلمون فبعد ان ابعد الاسلام عن الحياة بعد هدم الخلافة فقد ازيل ميزان العدل من العالم، واصبحت البلاد الاسلامية مستعمرات وقد تمزقت شر ممزق. فكانت جمهورية تركيا احدى هذه  الدويلات الكرتونية التي اقيمت على جغرافية الاسلام. وقد رأى مؤسسو هذه الدولة ان الحل في الغرب، فحبهم الاعمى للقوانين الغربية حملهم على ادخال الرأسمالية الى هذا البلد، فهذا البلد الذي شعبه شعب مسلم اصبح يحكم بالرأسمالية من عام 1924. وقد اخذ نظامه الاقتصادي من الرأسمالية، فأخذ معاملات البيع والشراء وقوانين التجارة والبنوك والمواثيق ونظام الشركات حتى قوانين الارث اخذها من النظام الرأسمالي. وقد منع القيام بالتجارة وتأسيس الشركة وتقسيم الميراث على اساس الاسلام. فعندما صار الامر كذلك، أصبح تأثر تركيا بتلك الازمة الاقتصادية النابعة من الرأسمالية امر حتمي.
   سأعمل هنا بشكل مختصر على سرد ما حصل من تأثيرات عارضا تواريخها. فالازمة في تركيا ليست جديدة، فبعد تاسيس الجمهورية وابتداء من عام 1927 عاشت تركيا ازمات اقتصادية في اعوام 1932 و 1935 و 1940 و 1941 و 1943 و1944 و1945 و1946 و1949 و 1954 و 1979 و1980 و1994 و1999 و2001. لكن غرفة التجارة في انقرة قدمت تقريرا عن حجم الازمات الاقتصادية التي حلت على تركيا تحت اسم " تاريخ الازمات". فبالنسبة لهذا التقرير؛ فعلى مدى 82 عام من تاريخ الجمهورية كان من الواجب ان يكون حجم النمو على اقل تقدير 15% الا انه لم يتمكن من الوصول اكثر من 4,8%.
   ونقدم هنا بعض المعطيات عن اقتصاد تركيا الذي حلت به خمس عشرة ازمة عبر تاريخه:
   فقد عرفت تركيا الازمات الاقتصادية لاول مرة عام 1929، فقد تفجرت هذه الازمة في انقرة يوم تفجرت عالميا. وعندما يضاف الى ذلك ازمات تركيا (الاخرى) والديون المستحقة عليها فانها تكون قد دخلت "ازمة عجز" بشكل جدي، وقد انحفضت قيمة العملة.
   ـ ولقد بدأ النقص في الميزانية يظهر في عام 1944 منذ بداية الحرب العالمية الثانية. وقد اهتز التوازن الاقتصادي في تركيا كما حدث في كل انحاء العالم بعد بدء الحرب. ولاول مرة تتعرف تركيا على تخفيض قيمة العملة.
   ـ ففي عام 1946 ومع وجود فائض انحنت تركيا منحى تخفيض قيمة العملة لزيادة الصادرات، ولكنها لم تحقق هدفها.
   ـ لقد بدأت في الانفتاح على الرأسمال الاجنبي وفي مرحلة اقتصاد السوق الحر بين عامي 1950ـ 1954 . وقد بدأ يظهر العجز في الميزانية عام 1951 واستمر ذلك اثنا عشر سنة حتى عام 1963.
   ـ وبسبب حرب كوريا بدأت اسعار المواد الخام في الارتفاع. وقد بدء بتطبيق ما يعرف بالواردات المقترضة. ونتجة ذلك وصل الحال الى العجز في اداء الديون الخارجية للاعمال التجارية الخارجية. وارتفع التضخم الى 20% بسبب الاستثمارات التي بوشر بها بدون تخطيط. فدخل اقتصاد تركيا في ازمة جديدة.
   ـ ولقد هيئ لازمة 1958 وذلك بتطبيق برنامج تحرير السوق والذي برمج استنادا الى ادخال الرأسمال الاجنبي في اعوام 1950.
   ـ وما جاءت سنة 1958 حتى وصلت قيمة الديون الخارجية على تركيا الى 256 مليون دولار وحملت في حضنها " أزمة العجز". ففي شهر آب/أغسطس قبلت تركيا تطبيق برنامج الاستقرار الذي عرضه صندوق النقد الدولي، فخفضت قيمة العملة.  وقد ازداد العجز التجاري مع الخارج. وبلغ العجز في الميزانية عام 1959 ما مقداره 55,3 مليون دولار، وفي عام 1959 ارتفع العجز الى 266,7 مليون دولار.
   ـ وفي عام 1959 ارتفع الغلاء في تركيا بدرحة كبيرة الى ان اصبحت تركيا ثاني دولة عالميا في الغلاء بعد البرازيل. وقد اهتزت تركيا مرة اخرى عام 1969 بازمة اقتصادية اخرى. وقد بدء بتنفيذ برنامج صندوق النقد الدولي وخفضت قيمة العملة. وبعد ذلك وقع انقلاب عسكري عام 1971.
   ـ وفي عام 1974 ارتفعت اسعار البترول وتضاعفت اربع مرات وقد اثر ذلك بشكل سلبي على تركيا وجاءت في هذه السنة عملية السلام (التدخل العسكري التركي) في قبرص وفرضت الدول الغربية المقاطعة الاقتصاديةعلى تركيا، وصعدت اسعار المنتوجات الصناعية المستوردة من الخارج الى اعلى بسبب ارتفاع اسعار النفط.
   فحكومات تلك الحقبة صرفت القروض ذات الفائدة الربوية المنخفضة بشكل يوحي انها سوف لا ترد هذه الديون. فقد استدانت عام 1970 ما مقداره 1,8 مليار دولار واستدانت عام 1977 ما مقداره عشر مليارات. وقد وصلت نسبة الديون لاجل قصير الى 52% من الدين العام وذلك في عام 1978، فانفجرت الازمة عام 1978. ولقد قال سليمان دمريل رئيس الوزراء في نهاية السبعينات عن هذه الازمة "اننا اصبحنا محتاجين لسبعين سنتا" فكلامه يبين مدى فداحة الامر (الذي وصل اليه الاقتصاد التركي).
   وفي عام 1979 ومرة اخرى في عام 1980 رفعت دول اعضاء الاوبك اسعار النفط الى ان وصلت الزيادة الى 150% فاصابت تركيا التي كانت تعاني من ازمة اقتصادية كبيرة اصابتها بصاعقة فارتفعت نسبة البطالة 20%، وارتفع التضخم الى 63,9%. فازمة النفط في عامي 1979 و1980 اثرت على الشعب أكثر من ازمة النفط التي حدثت عام 1974. فجاءت قرارات 24 كانون الثاني/يناير عام 1980 وخفضت قيمة الليرة التركية بنسبة 48,6%.
   ـ لقد حصل اختلال في التوازن الاقتصادي وانخفاض جديد في العملة التركية بسبب زيادة النفقات العامة عام 1986. ولقد ارتفع سعر الفائدة الربوية نتيجة الزيادة في النفقات العامة ونتجة التذبذبات في الاسواق المالية، وانخفض احتياطي العملة الصعبة، وما ان جاء عام 1989 حتى اصبحت تركيا احدى الدول ذات السوق الحرة المنفتحة على الخارج. ولقد بلغ مقدار الديون الخارجية  على تركيا ما قيمته 17,4 مليار دولار اثناء تطبيقها لسياسة الاستقرار، وبلغ عام 1989 ما قيمته 41,7 مليار دولار، وفي عام 1990 ارتفع الى 49 مليار دولار. وبلغت نسبة الديون ذات الاجل القصير 19% من مجموع الدين العام. وازداد النقص في العملة الصعبة لدى البنوك التجارية وبدأت مرحلة الركود الاقتصادي مع التضخم.
   ـ وصل الفارق في التجارة الخارجية عام 1990 الى 9,3 مليار دولار ودخلت تركيا مرة اخرى في ازمة اقتصادية.
   ـ  وعاشت تركيا في ظل هذه الازمة اعوام 1991 و 1994 و 1999 . وكانت الازمة ما بين 1994 الى 2002 مختلفة عن سابقاتها من ناحية سلوكية. لقد ضربت الازمات قطاع البنوك فاوقف الكثير منها عن العمل.
   ـ لقد زادت ازمة الخليج ازمة 1991 الاقتصادية ثقلا، فازدادت الديون الخارجية بمقدار 8 مليار دولار ومنها الديون ذات الآجال القصيرة زادت اربعة مليارات دولار. وبلغ مقياس المعاملات الجارية الى رقم تاريخي مقداره 2,6 مليار دولار. هذه الازمة استمرت سنة. كانت قصيرة الا انها كانت شديدة. وبدأت الازمة(من جديد) في نهاية عام 1993 وتفجرت عام 1994. فعلاوة على الاختلالات الاساسية التي استمرت لعامين في الداخل جاءت الفوضى في الاسواق المالية في اوروبا لتزيد من الازمة. فالفارق في الحسابات الجارية ارتفع من مليار دولار الى 6,4 مليار دولار وازدادت الديون الخارجية حتى بلغت 12 مليار دولار، وطرد نصف مليون شخص من مراكز اعمالهم واصبحوا عاطلين عن العمل بسبب الازمة.
ـ لقد صادفت الازمة الاسيوية الروسية عام 1998 تركيا وهي تعمل على التقليل من المصاريف وتطبيق برنامج الاستقرار بقصد تخفيض التضخم. فقفز مقدار الديون الخارجية الى 103 مليار دولار.
   ـ فارتفاع سعر الفائدة الربوية وتراكم الديون ذات الاجال القصيرة في نهاية عام 1999 ساق الخزينة الى وضع لا تستطيع معه تحريك الديون الداخلية. فأدى ذلك الى ان توقع الحكومة على اتفاقية "ستاند باي" اي الحاجة للدعم أو للوقوف على القدمين مع صندوق النقد الدولي في شهر كانون أول/ديسمبر من عام 1999.
   فعلى اثر اتفاقية "ستاند باي" هذه مع صندوق النقد الدولي كان برنامج الاستقرار الذي دخل حيز التنفيذ عام 2000  مسؤولا بشكل رئيس عن الانكماش الكبير.
   ودخلت تعريفة العملة الصعبة في تركيا طريقا مسدودة بسبب ربطها بالدولار، فبسبب ذلك ارتفعت الديون ذات الاجل القصير الى 28,9 مليار، ومجموع الدين العام ارتفع الى 114,3 مليار دولار. وعندما بدأت البنوك الاجنبية تسحب القروض غير الاتية اجالها ارتفعت تسعيرة الفائدة الربوية لليلة واحدة الى عنان السماء وتفجرت في تركيا ازمة مالية دخلت تاريخها سميت الاربعاء السوداء، وذلك يوم 22/11/ 2000. فغرق فيها 13 بنكا والكثير من مؤسسات الواسطة المالية.
   ـ لقد استأنفت الازمة بسبب النقاش على كتيب الدستور الذي جرى في قصر الجمهورية في انقرة يوم 19 شباط، فارتفع سعر الفائدة واسعار العملات الصعبة بارتفاع رأس المال الصافي المقدر بقيمة 3,5 مليار دولار. فارتفع سعر الدولار من 670 الف ليرة تركية قبل الازمة الى مليون ونصف ليرة تركية في شهر نيسان. فسقط برنامج صندوق النقد الدولي.
   وفي ازمة 1994 وقع قسم هام من صناعة الاغذية في ايدي الاجانب كما وقع قطاع البنوك ومؤسسات الواسطة المالية وشركات السياحة والفنادق وبعض المؤسسات المالية بيد الاجانب وذلك عند حدوث ازمة 1999 وما أعقبها، فسيطروا على البورصة. 
   فالحكام في تركيا ورجال الاعمال الاغنياء الذين يمسكون برأس المال فيها يغمضون اعينهم عن اسباب هذه الازمات وما زالوا ينتظرون المدد والعون من الرأسمالية وبعد حصول الازمة المالية الحالية التي تضرب ابوابهم من جديد.
   فمما قالوا بشأنها رئيس الجمهورية عبدالله غول حيث قال: هذه، تؤثر على الجميع، ولكن الشكر الكثير! ان تركيا اخذت حذرها عندما قامت باصلاحات جذرية في الخمس او الست سنوات الاخيرة، فاصبحت حامية لأزقتها من القادمين من الداخل او من الخارج. (2/10/2008)
   وقال رئيس الوزراء اردوغان: ان الازمة لن تؤثر علينا، فهي طائف يمر من جنبنا ولا يمسنا.(6/12/2008) وكان قد ذكر مثل ذلك يوم الثلاثاء بتاريخ 25/11/2008 فقال:" اقول بكل صراحة، ان تركيا ستطخطى هذه الازمة بأقل الخسائر، وفي الاساس؛ فان المسؤول عن الازمة الولايات المتحدة والاتحاد الاروبي."
    وقال وزير الدولة محمد شمشاق: "لقد قمنا بعدة اصلاحات كوقاية حتى لا يتأثر اقتصاد تركيا من هذه الازمة. وذلك بالمحافظة على الميزانية بشكل متين وبالمحافظة على بقاء احتياطي النقد في مستوى عال، وبفضل السياسة المالية، اعتقد ان تأثير الازمة سيبقى محدودا عندنا".
   وقال وزير المالية كمال أون أقيطان:" لم يحصل في تركيا ازمة قروض المساكن، فهذه مشكلة في البلدان المتقدمة. فليست لدينا اية مشكلة فيما يتعلق بالاقراض، ولكن اثار الازمة تأتي الينا. وليست تركيا من الدول التي لا تستطيع ان تؤدي دينها، وشكرا لذلك. فقطاع البنوك يعيش ايامه القوية التي لم شهدها من قبل. فان قدم تركيا تخطو بثبات. لقد اصبح قطاع البنوك قويا جدا بسبب الاصلاحات التي اجريت".(24/11/2008)
   وقال وزير الدفاع وجدي غنول:" لقد افلست ايستلاندا، فقد اصبحت ايستلاندا كدولة غربية لا تستطيع ان تؤمن احتياجاتها الضرورية. فحمدا! فان تركيا تتخطى كل ذلك بسبب التدابير التي اتخذتها وستبقى متخطية لها."(18/10/2008)
   وقال رحمي كوتش الرئيس الفخري لبيوتات قوتش: ان الازمة المالية العالمية لن تؤثر كثيرا على تركيا".
    فيظهر ان هؤلاء قد نسوا الجروح العميقة التي اوجدها النظام الرأسمالي في الاقتصاد سابقا فصاروا يستطيعون ان يتكلموا بكل اريحية. فان هذا البلد تركيا طوال عهدها وهي تعيش ازمة اقتصادية، ولا مفر لها من هذا العيش. لان تركيا ممسوكة بيد المستعمرين ويطبق عليها النظام الاقتصادي. فكما ان عملتها مربوطة بالدولار فان جميع خيوط النظام الاقتصادي بأيدي المستعمرين. ولو كانت العملة تستند الى الذهب والفضة لما خاف الناس من تتعرض نقودهم لانخفاض في قيمتها، ولحصل استقرار في اسعار السلع والاشياء، ولما ارتفعت بشكل جنوني، ولقام الناس بعمل المشاريع ولقاموا بالاعمال الاستثمارية بدون خوف، وباختصار فان ذلك سيرغب الناس بالقيام بالاعمال والمشاريع الاستثمارية وينشطت عملية القرض الحسن لوجه الله لبعضهم البعض وبلا فوائد ربوية . وبذلك يكون الناس عونا لبعضهم البعض في قضاء حوائجهم. وعلاوة على ذلك يمنعون امريكا من سرقة ثرواتهم باوراق مالية لا قيمة لها. فان امريكا وامثالها من الدول تستطيع ان تشتري ثروات العالم من نفط وذهب ويورانيوم ومن كافة السلع باوراق مالية لا قيمة لها. فتقوم بطبع هذه الاوراق بشكل مستمر من دون ان يكون مقابلها ذهبا وفضة وتحصل على ما تريد بالباطل. ولكن تركيا بعملتها الورقية لا تستطيع ان تشاري سلعا ولا حتى نقطة نفط من البلاد الاخرى، مع العلم انه لايوجد فرق بين الدولار والليرة التركية فكلاهما اوراق مالية لا تستند الى الذهب والفضة، فمن اين جاء الحق بان تشتري بالدولار كل ما تريد ولا تستطيع ان تشتري بالليرة التركية شيئا؟! هذا فقط صالح
  ولايكون ذلك الا في قانون الغاب الرأسمالي؛ تصبح عملة البلد الضعيف غير صالحة (وعملة البلد القوي صالحة)! فكم تتضرر البلدان امثال تركيا من وراء ذلك؟! فعندما تريد ان تشتري بضاعة من الخارج يجب عليها ان تشتري دولارات لتستطيع ان تشتري بضاعتها من الخارج فتخسر الكثير من اموالها بعملية شراء الدولار. واسناد عملتها الى الدولار خطأ جسيم، وهو باطل ومحرم ايضا. فيجب اسناد العملة الى الذهب والفضة فحسب كما قلنا في الاعلى وبذلك تجد كثير من الدول الراحة وتحقق الرفاه وتخفض نسبة الفقر فيها الى اقل مستوى.
   فانطلاقا من هذه الحقيقة؛ فان الاقتصاد التركي لن ينجو من هذه الازمة الجارية حاليا بدون أن يتأثر بها، ومع ان السياسيين لا يريدون ان يقبلوا بهذه الحقيقة فان الازمة الاخيرة قد ضربت الاقتصاد التركي.
 
 تأثير الاقتصاد الرأسمالي العولمي على تركيا من جراء الازمة الاخيرة         
   ـ حجم الديون كبر بتأثير هذه الازمة:
   لقد كبر حجم الديون الداخلية والخارجية المتراكمة على تركيا التي تتبع فيما يتعلق بتحسين اقتصادها برامج صندوق النقد الدولي اضعاف مضاعفة، وذلك بسبب هذه الازمة الاخيرة. فقد تغير تركيب الديون التركية الخارجية بشكل جذري في السنوات الاربعة الاخيرة.
   فاليوم 12/12/2008  بلغ مجموع ديون تركيا الخارجية 284,4 مليار دولار، فنسبة 67% من هذا الدين أي ما يعادل 190,5 مليار دولار ديون للقطاع الخاص. ونصيب القطاع العام 27% اي ما يعادل 77,7 مليار دولار. وديون البنك المركزي 16,2 مليار دولار. وديون العامة 1,9 مليار دولار. وديون القطاع الخاص ذات الاجال القصيرة والتي تثير التفكير والقلق 47,7 مليار دولار.
   لقد رسمت نقابة رجال الاعمال والصناعة التركية( توسياد) الرسم البياني التالي للديون التركية (الخارجية):
التاريخ               الدين بالدولار                 قيمته بالليرة التركية
أيلول/سبتمر         190.5 مليار                 1,2250,233 مليار  
اكتوبر               190,5 مليار                 1,7200,327 مليار
وعند قولهم إنهم قد اخذوا حذرهم من هذه الازمة، تقول الخزينة (التركية) انه في النصف الاول من هذه السنة بتاريخ 3 نيسان/ابريل قد استدين (زاد الدين) ما مقداره مليار دولار بسبب الزيادة الجديدة للتحويلات المؤجلة للدين من جنس الدولار. وكذلك استدين ما مقداره مليار دولار في نصف السنة الثاني للتحويلات الدين المؤجلة. والبلدان التي تحتفظ بكميات كبيرة من الدولار وتريد ان تتخلص من هذه الكميات وبسبب رخص الدولار دفع البنوك (التركية) لتستدين ولتزيد دين البلاد (تركيا) واستطاعت ان تستدين من الخارج بسهولة وبيسر. وهذا ما رفع من وضع المطالبين بديونهم بالعملة الصعبة بشكل واضح بسبب الفارق الزائد في الديون بالعملة الصعبة.
   ـ ان ديون تركيا لصندوق النقد الدولي 7,6 مليار دولار. ورئيس الوزراء اردوغان الذي يقول "نستطيع ان نسدد هذا الدين اذا اردنا" يبحث عن الاستدانة من جديد من صندوق النقد الدولي على اثر الازمة المالية الاخيرة، فيتصل مع هذا الصندوق، وقد بدأ بالفعل بالمباحثات معه لاخذ قرض جديد وبدأت تفاصيل الاتفاقية بينه وبين الصندوق تظهر. فحسب تقارير رويترز الاقتصادية فان الديون التي يطلبها رئيس الوزراء التركي من صندوق النقد الدولي قيمتها 25 مليار دولار. ومن غير المؤكد بعد؛ ما اذا ستوقع اتفاقية " ستاند باي" لمدة 18 شهرا أم لا.
   كما ان صندوق النقد الدولي ضرر دول العالم الاخرى فانه قد اضر بتركيا أيضا. ونتائج الاتفاقيات مع صندوق النقد الدولي السابقة ما زالت ماثلة، فقد جلبت هذه الاتفاقيات الضرر الكبير وتركت جروحا عميقة في تركيا وغيرها من الدول الفقيرة. عدا ان هذا الصندوق وغيره من المؤسسات المالية هي مؤسسات رأسمالية لا تعطي القروض الا بشروط قاسية تفرضها على الدول المستدينة. فمن شروط هذا الصندوق تسهيل تسريح العمال من مراكز اعمالهم. قالت مساعدة رئيس صندوق النقد الدولي أنا غرويغر: "ان مستوى ادنى الاجور مرتفع في تركيا فيجب خفضه". وهكذا يجعل الصندوق الدول المستدينة منه في وضع صعب حتى يسهل وقوعها تحت هيمنة  الدول المستعمرة. فالدول المستعمرة تريد ان تدخل شركاتها الى كل بلد وتؤمن لها غطاء لنهب وسرقة ثروات تلك البلاد. وانها تعقد اتفاقيات جمركية لصالحها. فبموجبها تحصل الدول المستعمرة على شروط للاعفاء من الجمارك والضرائب لصالح شركاتها وعدم خضوع هذه الشركات لقوانين الدول المضيفة، والحصول على شروط افضلية لها من دون غيرها.
   ـ فما حدث في الولايات المتحدة من وقوعها في مستنقع القروض فان تركيا قد وقعت فيما هو من مثله. فمثال ذلك القروض المستعملة في ادارة المساكن الجماعية. فالبيع على طريقة الرهن العقاري ليس صحيحا، لان الذي يأخذ دينا فيشتري بطريقة الرهن العقاري يحسب الدين عليه بالفائدة الربوية وفي كل لحظة ممكن ان تزيد الفائدة الربوية وهو لا يستطيع ان يبيع ما اشتراه قبل ان يسدد كافة ديونه. فكما حدث في امريكا فانه حدث في تركيا حيث ان الفائدة الربوية على الاقساط لمدة سنة تكون 7% وفي السنة الثانية ترتفع هذه الفائدة الى 9% . ولهذا السبب فكثير من الناس لم يستطيعوا تسديد الاقساط الشهرية المترتبة عليهم. وهم لا يستطيعون ان يبعوا بيوتهم حتى يتمكنوا من سداد ديونهم لانها مرهونة لدى شركة الرهن العقاري.
   ففي الربع الثاني من سنة 2008 بلغ مجموع الديون (أظن انها الديون الداخلية والخارجية) 521,1 مليار دولار. وقد تضخم الدين بنسبة 25% في الشهرين الاخيرين. وقد بدأت تسعيرة الفائدة الربوية في الصعود الى اعلى. 
   ـ ان اكثر الرأسمال القادم من الخارج وضع في البورصة، وقسم من النقود الدافئة نام في محفظة سوق الاموال المنقولة على شكل سندات اسهم. ولقد بدأت هذه المحفظة في التحلل بشكل متسارع في شهر كانون الثاني/ يناير من هذه السنة 2008 . فكان ما فيها في نهاية 2007 ما قيمته 70,3 مليار دولار فانخفض ما فيها في شهر يناير 2008 الى 56 مليار دولار.
   وان القطاع الحقيقي (للاستثمار) قد تأثر من جراء هذه الازمة المالية العالمية الجارية حاليا، فانخفضت اسعار اسهم سنداتها الى ما قبل اربع سنوات خلت. فاليوم انخفض مؤشر الاسهم بنسبة 6,6% في بورصة الاموال المنقولة في اسطنبول، فتراجع 929 نقطة عن 21 الف فرجع الى ما كان عليه قبل اربع سنوات. وقد ارتفعت قيمة الدولار فبلغ 1,68 ليرة تركية جديدة وبعد تدخل البنك المركزي وقف عند حد 1,70 ليرة تركية جديدة. ( 19/11/2008)
   ولقد بلغ مقدار الارباح المسفرة الى الخارج التي حصل عليها الاجانب من استثماراتهم في هذه المحفظة ما قيمته 24 مليار و252 مليون دولار.
   وهذه الازمة المالية العالمية قد قللت من دخول الاموال الدافئة الى تركيا، فكان ان قد دخل الى تركيا في نهاية 2007 ما مقداره 107 مليار دولار فانخفض الى 100 مليار دولار. ولقد زاد عدد الشركات الاجنبية المستثمرة في تركيا الى ثلاث اضعاف، فزاد عددها من 5 ألاف و438 شركة الى ان وصل عددها 21 ألف و39 شركة. وقد دخلت 15 ألف 601 شركة جديد الى مجال العمل منذ عام 2003 حتى نهاية ايلول عام 2008. ففي توزيع الاستثمارات الدولية المباشرة على القطاعات يظهر التالي: تحتل شركات الواسطة المالية المرتبة الاولى بمقدار خمس مليارات و159 مليون دولار، منها 2 مليار 959 مليون دولار في الانتاج الصناعي، و888 مليون دولار في المنتوجات الغذائية مثل صناعة التبغ والمشروبات، و693 مليون دولار في البناء، 392 مليون دولار في نشاطات الاعمال والايجار للاشياء غير المنقولة. فالنتيجة ان منابع البلاد قد سلمت للاجانب.
   والسماح للشركات الاجنبية لتدخل الى تركيا هي مسألة قائمة بحد ذاتها، فقبول تركيا دخول المستثمرين الاجانب الى البورصة وجعلها جذابة بوجودهم جعل هؤلاء المستثمرين ينهبون ويسرقون البلد براحة وامان.
   ـ لقد جلبت العولمة الخراب للعالم، فاذا ما حدثت ازمة أو مشكلة في أمريكا أم العولمة فان العالم كله سيصيبه الضرر منها، لان الشركات تداخلت بعضها في بعض، وفي اللحظة التي تسقط الشركات الصغرى امام الكبرى يتجه بعضها لان تصبح بيوتات أي تتجمع عدة شركات لتصبح شركة واحدة كبيرة. فاذا دخلت شركة الى البورصة فانها تصدر اسهما لتكسب اموالا بغير حق. ويسمح النظام الرأسمالي بان تصدر الشركات اسهما بعشرة اضعاف رأسمالها او يزيد. فهذه الشركات تقوم بنشر الاخبار الدعائية  والترويج لها من انها حققت ارباحا ونجاحات، وهي في الاغلب غير صحيحة. ومقصدها من ذلك اصدار اسهم جديدة واخراج الاموال من ايدي الناس وطرحها في السوق ومن ثم جمع هذه الاموال ووضعها في جيوب المسؤولين والمديرين في الشركة. ومن ثم يعود هؤلاء المسؤولون والمديرون لاصحاب الحصص ويطلبون منهم اموالا جديدة لدعم اسهمهم. واذا وزعت ارباح فلا تتجاوز 5% من مجموع الارباح والباقي يبقى في الشركة. وذلك لزيادة موجودات الشركة ولزيادة الارباح وللقيام باستثمارات جديدة. واذا خسرت الشركات واستمرت الخسائر ولم تتمكن من تعديل ذلك فان البورصة تبدأ بالاهتزاز. وبسبب العولمة فان تأثير ذلك يصل الى انحاء العالم كله بسبب ترابط البورصات والشركات ببعضها البعض. والبنوك التي تحتفظ بأموال الشركات والمستثمرين وتمولهم بالاقراض هي ايضا عبارة عن شركات مساهمة. فاذا سقطت البنوك او عجزت عن التمويل او عجزت عن اداء ديونها وما تحتفظه من اموال للشركات تعلن افلاسها وتنهار. فكان عدد الشركات التي اعلنت افلاسها في تركيا في شهر ايلول عام 2008م  5 الاف 941 شركة.
   ـ لقد بدأ التضخم المالي في الارتفاع، كان الهدف في تركيا ان يحافظ على نسبة التضحم الى حد 4% في شهر اكتوبر فلم يقدروا على ذلك فبقيت عند 12%. فكانوا يعملون لسنين طويلة حتى يبقى التضخم ما بين 8 الى 10 % ولكن وصل الان الى خانة المزوج من الارقام. فتجاوز ثلاث اضعاف عما كانوا يهدفون الى تخفيضه.
   ـ كانوا يقدرون مقدار العجز في الميزانية بمقدار 13,8 مليار ليرة تركية جديدة، الا انه وصل الى مقدار 14 مليار دولار وليس ليرة تركية كما بين وزير المالية كمال أون أقيطان. وكان يقول من قبل ( بتاريخ 27/11/2008) انه سينهي هذه السنة المالية بفارق بسيط من العجز.
   ـ زادت البطالة:          
   لقد حذر وزير المالية كمال أون أقيطان من مصاريف خدمات الديون ستترتفع وان نسبة البطالة سترتفع ايضا. لقد بلغ عدد الاشخاص الذين طردوا من مراكز عملهم 100 ألف عامل من جراء الازمة العالمية الحالية وذلك في الولايات التركية التي يوجد فيها تطور صناعي مثل اسطنبول وبورسة ودنيزلي وغازي عنتاب وقيصري وقونيا. فبالنسبة لبيانات مؤسسة العمل فان نسبة المرجعين بسبب البطالة زادت نسبتهم الى 140% في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من هذا العام 2008. وقد اخذ الى سوق العمل الالاف من العمال باجور متدنية. ويتكلمون عن رقم يصل مئات الالاف امثال هؤلاء. 
   لقد خرجت نتائج لافتة للنظر من التقرير الذي اصدرته نقابة المربين المستقلة تحت عنوان " واقع المعلمين في تركيا" فبالنسبة لهذا التقرير فان ظروف المعيشة للمعلمين والمربين لعام 2008 نسبة لظروف معيشتهم في الاعوام السابقة فانهم قد استدانوا اكثر، فان كل 95 معلم من 100 معلم يعيشون على الدين. وراتفعت نسبة المدينين منهم والذين وضعت اسمائهم على اللائحة السوداء بسبب كروت الائتمان التي لم يستطيعوا تسديد مبالغها الى 132%. وزادت نسبة المدينين للبنوك من المربين 82% في عام 2008 علاوة على النسبة للسنوات الماضية. (وكالة انباء انقا)
   ان الرأسمالية تستند الى النفعية، وتجعل المنفعة مقياسا في الحياة، فهي مقياس الاعمال، فاذا عمل من الاعمال جلب منفعة يقام به، واذا لم يجلب منفعة لا يقام به. فان يصبح الناس كلهم عاطلين عن العمل او فقراء او جياعا فلا يهمهم (الرأسماليون) ذلك. فالخلل يبدأ من هنا، فيدرك ان الرأسمالية لا تعرف معنى الانسانية. فالمنفعة والمصلحة هي المقياس الوحيد وهي معنى القيمة عندهم. فقد فصلت الدين الذي يدعو للقيم الروحية والاخلاقية والانسانية عن الحياة وعن السياسة وعن الاقتصاد وعن كل شيئ وحصرته في وجدان الانسان وفي معبده.
   ـ واقع الاستيراد والتصدير في ظل هذه الازمة: 
  صرح وزير الدولة قورشاد توزمان بان صادرات تركيا ستتأثر بسبب الازمة بما يقارب 2 مليار وان الواردات ستتأثر بما يقارب 10 مليارات. وهكذا ستكون صادراتنا 138 مليار دولار واستيراداتنا بمقدار 220 مليار دولار.
   وبسبب ان الدولار قد انخفضت قيمته فقد سبب ضررا على الصادرات، وقد انخفضت الضرائب المأخوذة من الاستيرادات بشكل جدي. وحسب تقارير المؤسسات الدولية فان الاوضاع السيئة قد انعكست على التوقعات التركية. فمؤسسة ( أو تسي إي دي ) الاقتصادية وهي من بين المؤسسات الممولة في الخارج ذكرت ان ما تتوقعه تركيا لسنة 2009 فيما يتعلق بحجم النمو قد انخفض الى 1,9%.
   ـ تأثير الازمة على القطاع الحقيقي:    
   لقد فقدت الاسواق الاستقرار،  ففقد مؤشر الانتاج الصناعي في شهر ايلول عن نفس الشهر من السنة الماضية ما نسبته 5,5%. فقطاعات النسيج والملابس ومنها الجلدية والاشياء المعدنية والتجهيزات الميكانيكية وأجهزة الاتصالات والراديو والتلفزيون اظهرت انخفاضا جديا في شهر ايلول من هذا العام. وكذلك قطاعات الصناعات الكيميائية والطبية والالات البصرية والحساسة قد شهدت انخفاضا متسارعا.
   فالارقام الرسمية الاخيرة عن القطاع الحقيقي تبرز بصورة اوضح بان تأثير هذه الازمة اكبر واثقل من المتوقع. فاذا اخذنا الاشهر التسعة الماضية من هذه السنة كمقياس يظهر امامنا رسم بياني كالتالي: لقد اغلق 52 الف محل عمل. وبسبب عدم دوران النقود بشكل نشط في الاسواق فان اصحاب المحلات لم يعودوا يستطيعون دفع اجور محلاتهم ولا الضرائب المستحقة عليهم. فلا تدور الاموال والنقود في الاسواق. 
   لقد اظهر محرك النمو فظاعة ارقام شهر ايلول في الانتاج الصناعي. فقد شهد هذا الانتاج انخفاضا بمقدار 5,5% ونسبة الاستعمال للقدرة الانتاجية الصناعية تقلصت في شهر اكتوبر الى 76,6%. وفقدان الدم في القطاع الحقيقي اثر على على كافة القطاعات الاخرى. فأكبر قطاع في تركيا هو قطاع سوق السيارات فقد خسرت سوقه في شهر اكتوبر 39,2%. واما انتاج النسيج فقد تقلص في شهر ايلول بنسبة 20%.
   فالتقلص الحاصل في قطاع سوق السيارات اثر على الانتاج؛ فقد اوقفت مصانع انتاج السيارات مثل طوفاش ورينو وهونداي انتاجها بصورة مؤقتة. وارسل عمال هذه المصانع الى بيوتهم بدون اجرة عن شهري اكتوبر ونوفمبر. وقد اخرج قسم منهم من العمل من هذه المصانع. حتى ان وزير العمل فاروق تشليك راجع مؤسسة العمل لتدفع اجور 4 الاف من العمال الذين اوقفوا مؤقتا في تلك المصانع. وكان شهرا اكتوبر ونوفمبر مؤشرين للركود الكبير الذي سيحدث؛
   فبالنسبة لمؤسسة الاحصاء التركية فان الشركات التي اغلقت 5 الاف و941 شركة. ومحلات العمل التي اغلقت 27 الف و264 محلا.  وقد اخذ قطاع الصحة وقطاع البناء نصيبهما من الازمة. لقد شهد قطاع البناء تقلصا خلال عشر اشهر بمقدار 17,3% فنقص عدد الشركات الى 6 الاف و995 شركة، والتي اغلقت نسبتها 32% فكان عددها 2 الف و509 شركة. وكان عدد الشركات التي اغلقت في قطاع البناء 6 الاف و 251 شركة اي بنسبة 8,8%. فبقيت تحت نسبة 13,9% مقارنة بالسنة الماضية للشركات الي اغلقت.
   واما في مجال الصحة والخدمات الاجتماعية لقد نقص عدد الاماكن التي فتحت في هذا المجال بنسبة 16,2% مقارنة بالسنة الماضية، ولقد لوحظ ان الزيادة في اغلاق هذه الاماكن بلغت 25,4% . فعدد الشركات التي اسست نسبتها 27,2% ونسبة التي اغلقت ارتفعت 1,7%.
   انخفضت القوة الشرائية لدى الاهالي، وزادت مصاريف اللوازم التي تقيم بالعملة الصعبة، وهذا الامر جلب معه الغلاء وجعل القوة الشرائية تنخفض. فنسبة التضخم في تركيا 11%. فعندما زادت اسعار الغاز الطبيعي لدى شركة بوطاش بنسبة 22,5% فكانت الزياد في الاسعار في السنة 74%. وقد صرح غوك خان المدير العام لشركة بوطاش للغاز الطبيعي قائلا:" ان ارتفاع الاسعار مصدره ارتفاع الدولار."
   وبالنسبة الى ابحاث " القوة الشرائية للموظفين" التابعة لنقابة العاملين في القطاع العام تقول ان اسعار الخبز قد ارتفعت 18% واسعار الايجار ارتفعت 22% هذه السنة ولكن اجور العمال زيدت هذه السنة بنسبة 11% فقط.
 وبسبب ضعف القوة الشرائية لدى الناس اصبحوا لا يستطيعون تأدية الضرائب التي فرضتهاعليهم الدولة.  يقول تقرير نقابة المشاورين الماليين التركية الحرة وتقرير اتحاد غرف المشاورين الماليين المحلفين ان قانون الضريبة في تركيا يظهر تناقضه مرة اخرى ويظهر الجانب المفسد للتوزيع في البلد. فان حمل الضريبة يزداد على الناس وهذا الحمل يزداد كل سنة على العاملين، فبعد ارتفاع التضخم في الشهور الاخيرة فان التقييم الجديد لسنة 2008 زاد بنسبة 12%.
   فاذا لم تفرض ضريبة على البضائع والاجور والخدمات فان الاسعار لن ترتفع. وعندئذ يستطيع الناس ان يحصلوا على ما يحتاجونه بسعر رخيص. وهكذا يتوفر لدى الناس نقودا لشراء احتياجاتهم ولا يبقون في قلق وضيق من العيش. ولا تشغلهم هموم الحياة. فلا يكون كل هم الشخص بان يقضي كافة ايامه في العمل لتأمين احتياجاته ولتأمين رغيف الخبز. وعلاوة على ذلك يقومون بالاعمال التجارية والزراعية والصناعية والاستثمار في هذه المجالات بلا خوف ولا قلق. فلا يخطون خطوة الى الوراء متخوفين من الضرائب ومن ارتفاع الاسعار. 
   فالنظام الرأسمالي يحمل الناس على ظهورهم الضرائب الثقيلة، فيهبطوا تحت ثقلها. فالضرائب تنعكس على اسعار البضائع فترفعها، وتجعل العمال والموظفين غير قادرين على دفع اثمانها، فتكون الضرائب وارتفاع الاسعار قد ضيقت المعيشة على الناس.
   فبالنسبة للارقام الرسمية فانه يوجد في تركيا 18 مليون انسان تحت خط الفقر وهم جوعى (عدد سكان تركيا في عام 2007 حوالي 74 مليون نسمة). وحسب الابحاث التي اجرتها غرفة التجارة التركية اعلن انه في شهر اغسطس 2008 اصبح مصروف العائلة المكونة من اربعة انفار 501 ليرة تركية جديدة وهذا خط الفقر. فيقول رئيس هذه الغرفة حسن علي كيلجي ان مصاريف العائلة المكونة من اربعة اشخاص زادت بنسبة0,72% فأصبح 501 ليرة تركية وهذا الرقم قد ارتفع العام الماضي بزيادة 22,1% فتكون معدل الزيادة السنوية 16,1%.
   وقد انعكس تأثير هذه الازمة (العالمية الحالية) على العائلات التركية؛ فبعض العائلات بدأت تعيش في قلق واضطراب بسبب هذه الازمة. والكثير من الناس باتوا مضطربين بسبب عدم قدرتهم على ايجاد اعمال لهم. وبعض الابحاث تقول ان الناس اصبحوا مقتنعين بان هذه الحكومة لا تستطيع ان تعالج هذه الازمة.
   فحسب استفتاء مركز رسيرشر للتطوير الاستراتيجي والسياسي ان اكثرية الشعب التركي ترى الحكومة فاشلة في معالجة الازمة المالية. فنسبة 72,3 % من الشعب تتهم الحكومة بالفشل في معالجة الازمة الاقتصادية. (10/12/2008 خبر اكس)
 
الخاتمة     
   فما أعدته الحكومة كحلول للازمة هي عبارة عن حلول اتخذت الرأسمالية مقياسا لها. ولكن الحكومة عبر السنوات الماضية وهي تستخدم هذا المقياس، وكانت نتائج ذلك في كل مرة تعميق الازمة باشكال اخرى. فكلما استمر البقاء في داخل هذا النظام وكلما بحث عن حلول للمشاكل حسب قيمه؛ فلن يتوصل الى حل. فالبحث عن حل من الرأسمالية معناه فتح الباب لمزيد من المشاكل.
   فالذين يدعون الربوبية من دون الله فيما يتعلق بمعيشة الناس لعدم وجود الاسلام في الحياة فهم الذين يريدون ان تستمر حاكميتهم بدون خجل. فتكون النتيجة الافساد في الارض. وهذا الافساد مستمر باستمرار الرأسمالية. يقول الله تعالى:" واذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد".( البقرة 205)
   فلا اريد ان اطيل كلامي اكثر، فاننا نرى ماذا فعلت الرأسمالية في العالم وفي البلاد الاسلامية. ولقد ارانا الله سقوط الشيوعية والان نشاهد سقوط الرأسمالية، فما بقي غير عودة الاسلام من جديد لانقاذ الناس جميعا وليس المسلمين لوحدهم من هذه الازمة.
   اننا ندعو الله تعالى ان يرينا اقامة دولة الخلافة الاسلامية، واننا نتحسر لرؤيتها، وان يجعل للامة نصيب فتح ابواب النصرة لها في اقرب وقت، ان شاء الله.
   فدولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة والتي بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ستملئ الارض عدلا وصدقا بعدما انتشر فيها الفساد والفتن والظلم والتعذيب.  يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يملئ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا". (أبو داود)
 

2440 تعليقات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة